التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة نحو الشرق الأوسط لا تبدو، حتى الآن، مقدمة لحرب برية واسعة بقدر ما تبدو أداة ضغط سياسية وعسكرية لجر إيران إلى اتفاق بشروط أمريكية.

هذا هو المعنى الذي يتكرر في التقارير المنشورة خلال الساعات الأخيرة: واشنطن تدفع بقوات إضافية، وتترك الباب مفتوحًا أمام التفاوض، وتبعث في الوقت نفسه رسالة واحدة إلى طهران والعواصم الإقليمية: التفاهم لن يأتي من الندية، بل من ميزان قوة تحاول الولايات المتحدة إعادة تشكيله بالقاذفات والمظليين والتهديد بالتصعيد.

الثابت أيضًا أن طهران لم تتعامل مع هذه الرسائل بوصفها مبادرة سلام، بل بوصفها محاولة ثالثة لانتزاع تنازل تحت النار، بعد تجارب سابقة قالت فيها للوسطاء إنها تعرضت فيها “للخداع مرتين” من إدارة دونالد ترامب.

 

المعطيات المنشورة تشير إلى أن واشنطن تسعى إلى محادثات مباشرة في أقرب وقت، مع تداول إسلام آباد كمكان محتمل، بينما تلعب باكستان ومصر وتركيا أدوار الوساطة ونقل الرسائل. لكن هذا المسار الدبلوماسي لا يتحرك في فراغ. الولايات المتحدة دفعت بخطة من 15 نقطة إلى الإيرانيين عبر الوسطاء، تتناول البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع إبقاء الخطط العسكرية قائمة بلا تعديل جوهري. هذا التوازي وحده يكشف طبيعة المقاربة الأمريكية: الحديث عن السلام يسير تحت غطاء الاستعداد للضرب لا بدلًا منه.

 

ضغط تفاوضي لا ثقة دبلوماسية

 

الرواية الإيرانية، كما نقلتها التقارير، واضحة ومباشرة. طهران أبلغت الوسطاء أن دعوات التفاوض الأمريكية لا تبدد الشكوك، بل تزيدها، لأن جولتين سابقتين من الحديث عن المسار السياسي تزامنتا مع هجمات مفاجئة أو تحركات عسكرية أمريكية وإسرائيلية. لذلك تنظر القيادة الإيرانية إلى الحشد الجديد بوصفه جزءًا من الخدعة نفسها، لا مجرد خلفية تفاوضية. هذا لا يعني أن إيران ترفض المفاوضات من حيث المبدأ، لكنه يعني أنها ترفض أن تدخلها من موقع الطرف الذي يجري تطويعه بالقصف والإنذار البحري والعقوبات.

 

الأستاذ ولي نصر، الباحث في شؤون إيران، قال إن ما تفعله واشنطن لا يبدو خفضًا حقيقيًا للتصعيد، بل تأجيلًا تكتيكيًا داخل مسار ضغط مستمر، وإن الرهان على أن القوة العسكرية ستكسر إيران سريعًا أو تدفعها إلى استسلام سياسي سريع لم يثبت صحته حتى الآن. هذا التقدير مهم لأنه يفسر التناقض الأمريكي الحالي: حديث متكرر عن فرصة اتفاق، يقابله على الأرض استمرار للحشد العسكري وطلب تمويل إضافي للحرب.

 

في المقابل، تحاول إدارة ترامب تسويق الصورة بشكل مغاير. مستشارون مقربون من الرئيس قدموا الحشد العسكري على أنه تفاوض من موقع قوة، لا سوء نية. وجرى تسريب أن واشنطن تدرس إدخال نائب الرئيس جي دي فانس على خط المحادثات باعتباره أقل تصنيفًا داخل التيار المتشدد من أسماء أخرى ترفضها طهران. لكن هذا الطرح لا يبدد الشك الإيراني. لأن المشكلة، من وجهة نظر طهران، ليست في اسم المفاوض فقط، بل في كون اليد التي تعرض الاتفاق هي نفسها اليد التي تبقي القاذفات والقوات الخاصة في وضع الجاهزية.

 

خطة 15 نقطة تحت مظلة القاذفات

 

الخطة الأمريكية ذات الـ15 نقطة، وفق ما أكدته تقارير موثوقة، تشمل قيودًا على التخصيب، وضبط البرنامج الصاروخي، وإجراءات رقابة، وترتيبات تخص الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تخفيف عقوبات وتعاون نووي مدني بشروط أمريكية. لكن حتى الآن لم تُنشر نسخة كاملة من الخطة، كما لم يتضح على نحو مستقل ما إذا كانت طهران تتعامل معها كأساس جدي للتفاوض أم مجرد ورقة ضغط. المؤكد فقط أن الإيرانيين تسلموها عبر وسطاء، وأن واشنطن تعرضها بينما تواصل الحشد والضرب. هذا وحده يضعف صدقية الحديث عن “مخرج دبلوماسي” ويجعله أقرب إلى إنذار سياسي مكتوب.

 

الباحث علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية حذر، في مناقشات عامة حديثة حول الحرب، من أن أي تفاوض مع إيران تحت وقع الضربات سيصطدم بأزمة ثقة عميقة، وأن القيادة الإيرانية ستقرأ العرض الأمريكي باعتباره محاولة لانتزاع استسلام لا تسوية. وهذه النقطة تفسر لماذا لم تؤدِ الوساطات، حتى الآن، إلى اختراق فعلي رغم تعدد القنوات الإقليمية. واشنطن تريد وقفًا مشروطًا يكرس مطالبها الأساسية. وطهران تريد، قبل أي شيء، وقف القصف وضمانات بعدم تكرار ما تعتبره فخاخًا تفاوضية سابقة.

 

هنا يتضح أيضًا سبب اقتران ملف التفاوض بملف الطاقة. ترامب تحدث عن “هدية كبيرة” من إيران تتعلق بالنفط والغاز والملاحة، من دون تفاصيل. وفي المقابل ربطت تقارير عدة بين الخطة الأمريكية وبين السعي إلى إعادة فتح هرمز وضبط تدفقات الطاقة، بعد أن أدى إغلاق الممر وتعطيل الشحن إلى قفزات في الأسعار واضطراب الأسواق. المعنى السياسي واضح: واشنطن لا تتحرك فقط من زاوية النووي أو الأمن الإقليمي، بل أيضًا من ضغط الكلفة الاقتصادية التي بدأت ترتد على الداخل الأمريكي والأسواق العالمية.

 

القوات على الأرض لرفع الكلفة لا لحسم سريع

 

التقارير المنشورة اليوم أكدت أن الولايات المتحدة تستعد لنشر ما لا يقل عن 1000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جوًا، إلى جانب وحدات من مشاة البحرية، مع بقاء خيارات أوسع قيد الدراسة، منها سيناريوهات مرتبطة بجزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي. واشنطن لم تعلن قرارًا نهائيًا بعملية برية، لكن مجرد وضع هذا الاحتمال على الطاولة يرفع الضغط العسكري ويمنح المفاوض الأمريكي أداة تهديد إضافية. ما يجري هنا ليس تمهيدًا مؤكدًا لاجتياح، لكنه أيضًا ليس استعراضًا فارغًا. إنه بناء تدريجي لكلفة الرفض الإيراني.

 

الباحثة إيلي جيرانمايه من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية وصفت الضربات الأمريكية على إيران بأنها حرب اختيار غير قانونية، وحذرت من أن الجمع بين التصعيد العسكري ومحاولة فرض اتفاق من الخارج يدفع المنطقة إلى مزيد من الانفجار، لا إلى تسوية مستقرة. هذا الرأي يضيء جوهر الأزمة الحالية: واشنطن لا تطرح خريطة خروج متوازنة، بل تحاول انتزاع اتفاق تحت أقصى ضغط، بينما تبقي الحرب مفتوحة لأسابيع إذا لزم الأمر.

 

الخلاصة أن نقل القوات الأمريكية إلى الشرق الأوسط لا يمكن قراءته، حتى الآن، كتحرك منفصل عن السياسة. هو جزء من التفاوض نفسه. تفاوض بالقوة. وتفاوض مع إبقاء خيار الحرب حاضرًا. لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا واضحًا: كلما ارتفع الضغط العسكري، زاد الشك الإيراني في جدوى التفاوض. وكلما توسعت الوساطات، تمسكت واشنطن أكثر بمنطق الإملاء. لذلك يبدو المشهد الحالي كالتالي: أمريكا تحشد لتفرض اتفاقها، وإيران تماطل لأنها لا تثق، والمنطقة كلها تدفع ثمن هذا الابتزاز المتبادل في الأمن والطاقة والاقتصاد.