لم تعد أزمة الدولار في مصر مسألة سعر صرف فقط، بل انتقلت إلى قلب دورة الاستيراد نفسها، بعد اتجاه بنوك محلية إلى تشديد شروط تمويل الواردات عبر رفع عمولات الاعتمادات المستندية وزيادة متطلبات الغطاء النقدي، في لحظة تضغط فيها الحرب الإقليمية على الجنيه، وتدفع الأموال الساخنة إلى الخروج، وترفع كلفة الطاقة والشحن، لتتحول البنوك من ممول للتجارة إلى خط دفاع أول عن ما تبقى من السيولة الأجنبية، فيما تنتقل الفاتورة سريعًا إلى السوق والأسعار والقدرة الشرائية للمستهلكين.

 

البنوك تشدد قبضتها على الاستيراد

 

المعطيات المتداولة في السوق تتحدث عن رفع عمولات فتح الاعتمادات المستندية إلى نحو 1.25% في بعض الحالات، بعد مستويات أقل كثيرًا في السابق، مع زيادة متطلبات الغطاء النقدي لدى بعض البنوك، وإلزام العملاء بإيداع قيمة الاعتماد بالجنيه قبل تدبير الدولار عند التنفيذ، والهدف المعلن هو تقليل مخاطر تقلبات سعر الصرف، لكن النتيجة الفعلية أن المستورد أصبح مطالبًا بتمويل أعلى وكلفة أكبر قبل أن تصل بضاعته أصلًا إلى الميناء، بينما أكدت تقارير مصرفية حديثة أن البنوك لم توقف فتح الاعتمادات، لكنها شددت فحص المستندات ومسارات الشحن، وأبقت الأولوية للسلع الأساسية والاستراتيجية.

 

هذا التشدد لا يمكن فصله عن الضغوط التي يتعرض لها الجنيه منذ نهاية فبراير، فمحمد عبد العال قال إن العملة المحلية تعرضت لضغوط متباينة بفعل التطورات الاقتصادية والسياسية، وإن خروج نحو 1.2 مليار دولار من الأموال الساخنة مؤخرًا زاد الضغط على سوق الصرف، بعد أن بلغ حجم هذه الاستثمارات القصيرة الأجل نحو 45 مليار دولار في سبتمبر 2025، ومع كل موجة خروج جديدة ترتفع كلفة الدفاع عن الدولار داخل البنوك، وتصبح الاعتمادات المستندية أكثر تحفظًا وأعلى سعرًا، حتى لو لم تعلن كل البنوك ذلك بصيغة موحدة.

 

السيولة الدولارية تحت الضغط

 

المشكلة الأعمق أن ما يجري لا يعكس فقط حذرًا مصرفيًا، بل يعكس اقتصادًا ما زال شديد الحساسية للصدمات الخارجية، فبلومبرغ وصفت الأصول المصرية بأنها من بين الأكثر تأثرًا في الشرق الأوسط بالحرب الإيرانية، مع خروج مليارات الدولارات من استثمارات المحافظ، وهبوط السندات، وتراجع الجنيه إلى مستويات منخفضة قياسية، في وقت ترتفع فيه أسعار الطاقة بما يضغط على الموازنة وعلى فاتورة الاستيراد معًا، وهذا يفسر لماذا تتحرك البنوك بعقلية الدفاع لا بعقلية التوسع في التمويل.

 

في المقابل، تقدم وكالة فيتش صورة أكثر توازنًا لكنها لا تنفي أصل الأزمة، إذ قالت إن البنوك المصرية تملك الآن سيولة أقوى بالعملات الأجنبية مقارنة بعام 2022، وإن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي بلغ نحو 14.5 مليار دولار بنهاية يناير 2026، وهو أعلى مستوى منذ 2012، ما يمنح القطاع قدرة أفضل على امتصاص مزيد من التخارجات، لكن الوكالة نفسها حذرت من أن إطالة أمد الحرب أو ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة قد يفاقم الضغوط الاقتصادية ويقلب هذه القدرة الدفاعية إلى اختبار أصعب كثيرًا، والمعنى هنا واضح، البنوك لم تصل إلى مرحلة الاختناق، لكنها تعمل تحت ضغط متزايد يدفعها إلى التحوط لا إلى التيسير.

 

أما أحمد زكي، الأمين العام لشعبة المصدرين، فقدم زاوية مختلفة حين قال إن البنوك ما زالت تواصل إصدار الاعتمادات ونموذج 4 للمصدرين، وإنه لا توجد قيود مباشرة على عمليات الاستيراد، مع تسريع معالجة طلبات الآلات والمعدات والسلع الغذائية مقارنة بالسلع المعمرة والسيارات، وهذه الملاحظة مهمة لأنها تكشف أن السوق لم يدخل بعد مرحلة المنع الشامل، لكنه دخل مرحلة الفرز والانتقاء والتكلفة الأعلى، أي أن الباب لم يغلق، لكنه لم يعد مفتوحًا بالسعر والسهولة نفسيهما.

 

التاجر يدفع أولًا ثم ينقل الكلفة إلى السوق

 

هذا التحول دفع التجار إلى التحرك بسرعة لتأمين وارداتهم قبل أي قفزة جديدة في الدولار أو تكاليف الشحن أو التمويل، لكن التعجل هنا ليس حلًا مجانيًا، لأن الاعتماد الأعلى كلفة والغطاء النقدي الأكبر والمدة الأطول لتدبير العملة، كلها عناصر ترفع السعر النهائي للسلعة قبل أن تصل إلى الرف، وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في الغذاء والخامات ومستلزمات الإنتاج، لا تبقى هذه الزيادة محصورة داخل الدفاتر المصرفية، بل تنتقل إلى المستهلك مباشرة في صورة أسعار أعلى وهوامش ربح أضيق وتباطؤ في حركة التجارة.

 

محمد أبو باشا قال إن الاقتصاد المصري يواجه متغيرين رئيسيين يضغطان على التضخم في الأمد القريب، أولهما الزيادة غير المتوقعة في أسعار الطاقة، وثانيهما التراجع الطفيف في قيمة الجنيه، وهذه العبارة تختصر المسار كله، فالبنوك تشدد التمويل لأن الدولار يتعرض للضغط، والجنيه يتراجع لأن الأموال الساخنة تخرج، والأسعار ترتفع لأن الطاقة والنقل والاستيراد ترتفع كلفتها معًا، وهكذا لا تعود السياسات المصرفية شأناً داخليًا يخص البنوك وحدها، بل تصبح جزءًا من موجة تضخمية أوسع تمس كل بيت.

 

والأرقام الرسمية تؤكد أن الأرضية التضخمية موجودة أصلًا قبل انتقال أثر التشدد المصرفي كاملًا إلى السوق، إذ بلغ التضخم السنوي في مصر 13.4% في فبراير 2026 بحسب بيانات البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ومع اقتراب الدولار من مستوى 53 جنيهًا في بعض البنوك، عند 52.52 جنيه للشراء و52.66 جنيه للبيع في البنك المركزي، ومع تسجيل مستويات أعلى في بعض البنوك الخاصة، فإن أي تشدد إضافي في تمويل الاستيراد سيكون بمثابة ضخ وقود جديد في موجة الأسعار المقبلة، لا مجرد إجراء احترازي عابر.

 

الأزمة أكبر من عمولة واعتماد

 

الخلاصة أن ما تفعله البنوك اليوم لا يمكن اختزاله في رفع عمولة أو طلب غطاء أكبر، فهذه مجرد أعراض لأزمة أوسع في توازن النقد الأجنبي داخل الاقتصاد، حيث تتزاحم 3 ضغوط في وقت واحد، تلبية طلبات الاستيراد، والحفاظ على ما لدى الجهاز المصرفي من سيولة دولارية، وامتصاص أثر التخارجات وتقلبات سعر الصرف، وكلما طالت الحرب أو اتسعت، صار هذا التوازن أصعب وأغلى، لا على البنوك فقط بل على الاقتصاد كله، لأن القطاع المصرفي يدافع عن الاستقرار المالي بأدواته، بينما يدفع المستهلك النهائي الثمن في صورة سلعة أغلى، ودخل أضعف، وسوق أكثر توترًا وأقل يقينًا