انكشف التناقض في الملف النقدي المصري على نحو فج حين تجاوز الدولار في العقود الآجلة للجنيه لأجل عام مستوى واحد وستين إلى اثنين وستين جنيهًا خلال مارس، بينما كان السعر الفوري قد لامس نحو أربعة وخمسين جنيهًا في آخر مارس. ذلك الفارق لم يأت من فراغ، بل عكس خوف السوق من أن الأزمة لم تُحل، وأن ما جرى كان تأجيلًا مكلفًا لا معالجة حقيقية.
وأعاد هذا المشهد إلى الواجهة تصريح السيسي في أربعة عشر يونيو ٢٠٢٣ حين رفض تحرير سعر الصرف إذا تعارض مع الأمن القومي، وقال إن الدولة لا يمكن أن تبقى في مكانها إذا وصل الأمر إلى الإضرار بحياة المصريين. لكن ما جرى بعد ذلك لم يكن حماية للجنيه، بل سلسلة تراجعات انتهت إلى واقع أكثر قسوة من التحذير نفسه.
العقود الآجلة تفضح فقدان الثقة
وأوضح تسعير العقود الآجلة أن السوق لا يصدق الرواية الرسمية عن الاستقرار، لأن المستثمر حين يضع الدولار بعد عام فوق مستوى اثنين وستين جنيهًا فهو لا يتنبأ من باب الترف، بل يسعّر مخاطر قائمة تتعلق بندرة العملة الصعبة، واستحقاقات الدين، والاعتماد المستمر على التمويل الخارجي. هذه ليست شائعة، بل لغة مال تقول إن الثقة أضعف من الخطاب الرسمي.
ولفت الخبير الاقتصادي رشاد عبده إلى جوهر المأزق حين قال في أغسطس ٢٠٢٤ إن دوامة القروض تدفع ثمنها الأجيال القادمة، وإن بيع الأصول لتوفير العملة الصعبة وسداد الالتزامات يضغط على المستقبل بدل أن يبني اقتصادًا منتجًا. معنى ذلك أن السلطة لم تعالج أصل المرض، بل لجأت إلى مسكنات باهظة ثم قدمتها للناس باعتبارها إنجازًا.
وفي ظل هذا المسار، يصبح السؤال عن سبب عدم الوفاء بالوعود سؤالًا مشروعًا لا مزايدة سياسية. فالسلطة تعهدت ضمنيًا بأن الأمن الاجتماعي خط أحمر، لكنها حين اصطدمت بشروط التمويل وعجز النقد الأجنبي اختارت التراجع العملي لا المواجهة السياسية. هنا ظهر الفارق بين خطاب يطمئن الشارع وسياسة تنحاز للنجاة المؤقتة ولو على حساب الجنيه والأسعار.
القروض لم تُنقذ الجنيه بل اشترت وقتًا قصيرًا
ويبين مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أن القروض لم توقف الأزمة بل منحت الحكومة وقتًا إضافيًا لإدارتها. فالصندوق أعلن في مارس ٢٠٢٥ استكمال المراجعة الرابعة لبرنامج مصر، بما أتاح شريحة جديدة ووافق كذلك على ترتيب إضافي للصلابة والاستدامة. غير أن ضخ الأموال لم ينهِ حساسية السوق تجاه الجنيه، لأن العلاج المالي ظل متقدمًا على الإصلاح الإنتاجي.
وأكدت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، في تقديرات نقلتها تقارير لاحقة أن سعر الصرف في مصر يبقى رهينًا لتدفقات المحافظ والاستثمار والتمويل الخارجي، أي أن الجنيه ما زال يتنفس من خارج الاقتصاد الحقيقي أكثر مما يتنفس من الصناعة والتصدير. وحين يعتمد بلد كبير على هذا النمط، فإنه يظل تحت تهديد أول هزة إقليمية أو مالية.
وفي موازاة ذلك، أظهرت بيانات البنك الدولي أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ظلت مرتفعة عند نحو تسعين فاصل واحد بالمئة بنهاية السنة المالية ٢٠٢٤، مع بقاء الدين الخارجي الحكومي عند نحو سبعة وعشرين فاصل ثلاثة بالمئة من الناتج. هذه الأرقام لا تسمح بخطاب انتصار، لأنها تعني ببساطة أن الجنيه محاصر باقتصاد مثقل لا باقتصاد متعاف.
من التبرير إلى النتيجة.. المواطن يدفع الحساب
ويرى جيمس سوانستون من كابيتال إيكونوميكس أن تشديد السياسة المالية والنقدية مع ضعف الجنيه بعد اتفاق صندوق النقد يضغط على النمو في المدى القريب، حتى لو ظهرت مساحة لتحسن لاحق. هذه القراءة تفضح الكلفة الاجتماعية المباشرة، لأن كل هبوط جديد في الجنيه يتحول تلقائيًا إلى أسعار أعلى، واستهلاك أضعف، وقدرة معيشية أكثر هشاشة.
وأشار استطلاع لرويترز في أواخر ٢٠٢٥ إلى أن متوسط توقعات المحللين رجح وصول الدولار إلى نحو تسعة وأربعين فاصل خمسة وثمانين جنيهًا بحلول يونيو ٢٠٢٦، ثم إلى اثنين وخمسين في يونيو ٢٠٢٧. هذا يعني أن تقديرات المؤسسات الموثوقة لم تكن تتحدث عن تعافٍ حاسم، بل عن تراجع مستمر وإن كان أبطأ من سيناريوهات الذعر التي تتداولها الأسواق.
وفي ظل هذه الفجوة بين السعر الفوري وتسعير العقود الآجلة، يصبح الحديث عن السبعين جنيهًا تعبيرًا عن خوف متشائم أكثر منه رقمًا محسومًا في تقديرات الخبراء الكبار. لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في رقم بعينه، بل في أن المصريين باتوا يتعاملون مع أي مستوى جديد للدولار باعتباره احتمالًا واردًا، بعد أن فقدت الوعود الرسمية قدرتها على الإقناع.
وأخيرا اختتم المشهد نفسه بإدانة سياسية قبل أن يكون توصيفًا اقتصاديًا، لأن السلطة التي قالت إن انفلات الدولار خطر على الأمن القومي انتهت إلى إدارة الأزمة بالقروض وبيع الأصول وتأجيل الانفجار، لا بمنع أسبابه. وحين يصير الجنيه أضعف، والدين أثقل، والثقة أقل، فإن المشكلة لا تعود في قسوة السوق وحدها، بل في حكم وعد ثم تراجع، وطمأن ثم ترك الناس يواجهون النتيجة وحدهم.

