اقترب سعر الدولار في العقود الآجلة لأجل 12 شهرًا اليوم الثلاثاء من مستوى 64 جنيهًا بعدما قفز بأكثر من جنيهين مقارنة بسعر أمس الذي كان أقل من 62 جنيهًا في إشارة مباشرة إلى أن الأسواق لم تعد ترى الجنيه قادرًا على الصمود من دون ضغوط جديدة خلال الفترة المقبلة.
ويأتي هذا التحرك بينما تصر الحكومة على تقديم صورة مطمئنة عن الاستقرار النقدي رغم أن السوق يرسل إشارات مختلفة تمامًا.
فالفارق الكبير بين سعر الدولار الآجل وسعره داخل القطاع المصرفي لا يكشف مجرد حركة مالية عابرة بل يكشف أزمة ثقة ممتدة في قدرة السلطة على حماية العملة المحلية من الصدمات الخارجية والاختلالات الداخلية.
كما أن هذا الارتفاع لم يأت من فراغ بل جاء في لحظة تتسع فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتتزايد معها مخاطر الطاقة والملاحة والتجارة العالمية وهي ملفات تعرف مصر جيدًا أنها تدفع ثمنها سريعًا.
وفي الوقت نفسه استقر سعر الدولار في البنك الأهلي عند 54.6 جنيه وهو من أعلى مستوياته التاريخية بينما تتسع الهوة بين السعر الحالي وتوقعات السوق المستقبلية بصورة تفضح هشاشة الوضع النقدي الذي تحاول الحكومة تغطيته بخطاب إداري بارد.
وتبدو المشكلة أكثر خطورة لأن الضغط على الجنيه لا ينفصل عن تراجع إيرادات قناة السويس ولا عن أزمة نقص السيولة الدولارية التي عانت منها البلاد خلال 2023 و2024 بعد خروج استثمارات كبيرة من أدوات الدين بقيمة قاربت 20 مليار دولار في 2022.
ثم لم تستعد الدولة جزءًا من هذه التدفقات إلا بعد تعويم قوي للجنيه في مارس 2024 دفع المصريون كلفته من دخولهم وأسعار معيشتهم.
لذلك فإن القفزة الحالية في العقود الآجلة لا تبدو مجرد رقم جديد في شاشة مالية بل تبدو إنذارًا جديدًا بأن الأزمة التي قالت الحكومة إنها تحت السيطرة ما زالت مفتوحة.
العقود الآجلة تكشف أزمة ثقة أعمق من السعر الرسمي
في هذا السياق يكشف اقتراب الدولار الآجل من 64 جنيهًا أن السوق لا يصدق الرواية الحكومية عن استقرار الجنيه لأن العقود الآجلة بطبيعتها تعكس توقعات المستثمرين ومخاوفهم وأدوات التحوط ضد المخاطر.
وعندما تقفز هذه العقود بأكثر من جنيهين في يوم واحد فإن الرسالة تكون واضحة وهي أن الضغوط المقبلة لم تعد احتمالًا نظريًا بل أصبحت جزءًا من التسعير الفعلي للمخاطر.
وبناء على ذلك لا يمكن فصل هذه القفزة عن العوامل الداخلية التي ما زالت تضغط على العملة المحلية وفي مقدمتها التضخم وعجز الميزان التجاري وضعف مصادر النقد الأجنبي المستقرة.
كما أن ارتفاع السعر الآجل يعني أن السوق ترى الجنيه مكشوفًا أمام صدمات إضافية وأن التعويم السابق لم يغلق الأزمة بل أجّل انفجارًا جديدًا بشروط أقسى على المواطنين وعلى القدرة الشرائية المنهكة أصلًا.
وفي هذا الإطار يقول الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي إن الفارق الكبير بين السعر الرسمي والسعر المتوقع في العقود الآجلة يعكس فقدان الثقة في قدرة السياسات الحالية على تثبيت سوق الصرف ويضيف أن الحكومة عندما تعتمد على المسكنات النقدية من دون معالجة العجز الهيكلي فإن السوق ترد بتسعير مخاطر أعلى وبالتشكيك في استدامة أي استقرار معلن.
ثم يزيد المشهد قتامة لأن سعر الدولار في القطاع المصرفي نفسه استقر عند 54.6 جنيه في البنك الأهلي وهو مستوى تاريخي مرتفع لا يمكن اعتباره طبيعيًا في اقتصاد يدفع يوميًا فاتورة الاستيراد والطاقة والديون.
وهذا الاستقرار لا يحمل معنى الطمأنينة بقدر ما يكشف أن الجنيه يقف عند مستوى ضعيف أصلًا بينما تتحرك التوقعات إلى ما هو أسوأ خلال الأشهر المقبلة.
الحرب الإقليمية تضرب الملاحة وتضغط على الجنيه من بوابة البحر
في ضوء هذا الضعف الداخلي جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتضيف ضغطًا خارجيًا مباشرًا على الاقتصاد المصري لأن اتساع نطاق الحرب يرفع أسعار الطاقة ويهز طرق التجارة ويفتح البحر أمام تهديدات جديدة.
ولم تعد مصر تتعامل مع توتر محدود في الإقليم بل مع مشهد يهدد أهم شرايينها الدولارية في لحظة تحتاج فيها لكل دولار يدخل الخزانة العامة.
كما أن تهديد الحوثيين لحركة الملاحة في باب المندب بعد إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل يوم السبت يعيد تكرار الكابوس الذي عرفته مصر جيدًا خلال العدوان الإسرائيلي على غزة.
فتعطيل الملاحة عند باب المندب لا يبقى حدثًا عسكريًا بعيدًا بل يتحول فورًا إلى خسارة مباشرة لقناة السويس وإلى ضغط إضافي على احتياطيات النقد الأجنبي وعلى قدرة الدولة على تمويل وارداتها الأساسية.
وفي هذا السياق يوضح الدكتور مدحت نافع الخبير الاقتصادي أن أي تهديد للممرات البحرية الحيوية ينعكس فورًا على ميزان المدفوعات المصري لأن قناة السويس ليست موردًا جانبيًا بل مورد سيادي رئيسي ويضيف أن الحكومة عندما تبني تصورها المالي على عودة الملاحة سريعًا ثم تتعرض المنطقة لصدمة جديدة فإن الخسارة تنتقل مباشرة إلى الجنيه وإلى توقعات المستثمرين.
ثم تظهر الأرقام حجم النزيف بوضوح لأن إيرادات قناة السويس تراجعت من 8.7 مليار دولار في 2022-2023 إلى 3.6 مليار دولار في 2024-2025 خلال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة.
وحين بدأت القناة تستعيد قدرًا من التعافي جاءت الضربة الإسرائيلية على إيران لتعيد تعطيل الملاحة مجددًا وتنسف أي حديث رسمي متفائل عن تحسن سريع في التدفقات الدولارية المرتبطة بالقناة.
ومن ثم لا تبدو الأزمة مجرد أثر جانبي لحرب بعيدة بل تبدو ضربة مباشرة لواحد من أهم الموارد التي تعتمد عليها الدولة في سد فجوة النقد الأجنبي.
فكل تراجع جديد في العبور البحري يعني تراجعًا جديدًا في قدرة الحكومة على تمويل احتياجاتها بالدولار ويعني أيضًا أن السوق ستواصل النظر إلى الجنيه بوصفه عملة تحت الضغط لا عملة استعادت توازنها كما تدعي السلطة.
سيولة شحيحة واستثمارات هاربة وتعويم دفع المواطن ثمنه
في امتداد لهذه الضغوط لم تبدأ أزمة الدولار اليوم بل ترجع إلى أزمة أعمق عانت منها البلاد خلال عامي 2023 و2024 عندما واجهت مصر نقصًا حادًا في السيولة الدولارية.
وكان أصل هذه الأزمة خروج استثمارات كبيرة من سوق أدوات الدين بلغت نحو 20 مليار دولار في 2022 وهو رقم يكشف حجم الاعتماد الهش على الأموال الساخنة بدلًا من بناء مصادر إنتاج وتصدير قادرة على الصمود.
كما أن الحكومة لم تتمكن من استعادة وتيرة هذه الاستثمارات إلا بعد تعويم قوي للجنيه في مارس 2024 وهو القرار الذي قدمته باعتباره علاجًا ضروريًا بينما دفع المواطنون كلفته من دخولهم ومدخراتهم وأسعار السلع الأساسية.
وهذا المسار يفضح من جديد نمط إدارة اقتصاديًا يرحل الأزمة من الخزانة إلى جيوب الناس ثم يصف النتيجة بأنها إصلاح نقدي.
وفي هذا الإطار يقول الدكتور مصطفى شاهين أستاذ الاقتصاد إن الاعتماد على أدوات الدين والتدفقات قصيرة الأجل يجعل الاقتصاد معرضًا للانكشاف في كل أزمة خارجية ويضيف أن الدولة عندما تعوض غياب الإنتاج الحقيقي بالتعويم والاقتراض فإنها لا تعالج المرض بل تنقل الخسارة إلى العملة المحلية وإلى المستهلك الذي يتحمل وحده نتائج السياسات الفاشلة.
ثم يتصل ذلك مباشرة بالضغوط الحالية على الجنيه لأن السوق تتذكر أن أي تراجع في التدفقات أو إيرادات القناة أو شهية المستثمرين قد يعيد سيناريو النقص الحاد في الدولار.
ولذلك ترتفع العقود الآجلة اليوم على هذا النحو لأن المتعاملين لا يرون إصلاحًا هيكليًا حقيقيًا يضمن الحماية بل يرون اقتصادًا ما زال معلقًا بين الحرب والديون والتعويم والتقلبات الإقليمية.
كما تكشف التطورات الأخيرة أن الحكومة لم تنجح في بناء مناعة اقتصادية بعد صدمة 2022 بل بقيت تعتمد على الظروف الخارجية وعلى الانفراجات المؤقتة.
وحين تحسنت بعض المؤشرات بعد مارس 2024 تعاملت السلطة مع ذلك كما لو أنه نهاية الأزمة بينما كان الواقع يقول إن التعافي هش وإن أول صدمة إقليمية واسعة ستعيد الجنيه إلى دائرة الخطر وهو ما يحدث الآن بوضوح.
ختاما فإن قفزة الدولار الآجل نحو 64 جنيهًا وتراجع إيرادات قناة السويس واستمرار هشاشة السيولة الدولارية ، تؤكد أن الحكومة لم تنجح في حماية الجنيه بل اكتفت بتأجيل الانفجار على حساب المجتمع.
فالسوق تقول الآن ما حاول الخطاب الرسمي إخفاءه طويلًا وهو أن العملة المحلية ما زالت تحت ضغط ثقيل وأن الحرب في الإقليم كشفت مجددًا اقتصادًا معتمدًا على الموارد السريعة لا على الإنتاج المستقر.
ولذلك فإن الأزمة الحالية لا تبدو موجة عابرة بل تبدو نتيجة مباشرة لسنوات من إدارة اقتصادية دفعت المصريين ثمنها من دخولهم ومدخراتهم وأمانهم المعيشي.

