دخلت محافظات الضفة الغربية، صباح الأربعاء الأول من أبريل، في موجة احتجاج واسعة ضد القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي قبل يومين لفرض عقوبة الإعدام على فلسطينيين في قضايا يصنفها الاحتلال ضمن ما يسميه “الإرهاب”.
المشهد لم يبدأ من قاعة التصويت في القدس، بل انتقل مباشرة إلى الشارع الفلسطيني، حيث ظهر القانون بوصفه اعتداء جديدا على الأسرى ومحاولة لتوسيع أدوات القتل تحت غطاء تشريعي.
جاء الإضراب الشامل في الضفة باعتباره رد فعل سياسي وشعبي على قانون صاغه اليمين الإسرائيلي المتطرف بدفع مباشر من إيتمار بن غفير، ومرره الكنيست بأغلبية 62 صوتا مقابل 48.
هذا التطور نقل ملف الأسرى من ساحة التحذيرات إلى ساحة الفعل الميداني، لأن الفلسطينيين قرأوا القانون باعتباره استهدافا مباشرا لحياة آلاف الأسرى داخل السجون، لا تعديلا قانونيا معزولا يمكن التعامل معه كإجراء قضائي عادي.
الإضراب عطّل الضفة لأن القانون استهدف الأسرى مباشرة
عطّل الإضراب، وفق المعطيات المتداولة فلسطينيا، العملية التعليمية في المدارس والجامعات، وشمل التعليم الإلكتروني والمواصلات العامة والمحال التجارية والبنوك وعددا من المؤسسات المالية والمهنية.
كما اتسع أثره لأن موظفي القطاع الحكومي التزموا به، وعلقت نقابة المحامين في الضفة عملها، فبدت مدن رئيسية مثل رام الله والخليل وجنين ونابلس شبه خالية من الحركة منذ ساعات الصباح.
وتنسجم هذه الصورة مع ما وثقته وكالات دولية عن احتجاجات واسعة في مدن الضفة عقب إقرار القانون.
ثم ظهرت مراكز المدن في ساعات الظهيرة بوصفها نقطة التجمع الأساسية للفعاليات الشعبية والمسيرات الرافضة للقانون.
ففي رام الله خرجت مسيرة دعت إليها حركة فتح والقوى الوطنية والإسلامية ومؤسسات الأسرى، ورفع المشاركون خلالها شعارات ترفض القانون وتطالب بتدخل دولي لوقف ما وصفوه بجرائم الاحتلال بحق الأسرى.
هذه المسيرات أعطت الإضراب مضمونه السياسي المباشر، لأنه لم يبق مجرد توقف عن العمل، بل تحول إلى فعل احتجاجي منظم في الشارع.
وفي هذا السياق، قال نصر أبو جيش إن الإضراب حمل “رسالة وطنية موحدة” تؤكد أن قضية الأسرى ستبقى في صدارة الأولويات، وأن الشعب الفلسطيني يرفض القانون بصورة قاطعة.
أهمية هذا التصريح لا تتوقف عند الموقف السياسي، لأن اتساع الالتزام بالإضراب في محافظات مختلفة عكس بالفعل حالة اصطفاف شعبي وفصائلي حول ملف الأسرى، كما أشار أبو جيش نفسه إلى أن الفعاليات لن تتوقف عند يوم واحد.
ويؤكد موقعه المعروف داخل الأطر الوطنية الفلسطينية حضوره المتكرر في تنظيم الفعاليات الميدانية.
الكنيست لم يكتف بالتصويت بل نقل القانون إلى طور التنفيذ
مرر الكنيست القانون مساء الاثنين الحادي والثلاثين من مارس بعد مسار سياسي بدأ منذ تفاهمات الائتلاف بين حزب الليكود وحزب “القوة اليهودية” أواخر 2022، قبل أن يستعيد زخمه خلال الشهور الماضية.
القانون ينص على الإعدام شنقا في قضايا محددة، ويجعل تنفيذ العقوبة ممكنا خلال تسعين يوما من الحكم النهائي، كما يمنع العفو أو تخفيف الحكم في الحالات التي يشملها. هذه الصياغة حولت التشريع إلى أداة قتل سريعة لا إلى مجرد تشديد عقابي نظري.
وبعد هذا الإقرار، صار القانون يخلق مسارين قضائيين متوازيين يخدمان الهدف نفسه.
ففي الضفة الغربية يمنح المحاكم العسكرية سلطة أوسع لفرض الإعدام على الفلسطينيين في قضايا القتل المصنفة إرهابية، بينما يمنح المحاكم المدنية داخل إسرائيل والقدس الشرقية المحتلة صلاحيات موسعة في قضايا تتصل بما يسمى “تقويض الدولة”.
هذا البناء القانوني جعل منتقدين كثيرين يؤكدون أن الاستهداف العملي سيقع على الفلسطينيين تحديدا، حتى لو صيغت بعض المواد بلغة تبدو عامة على الورق.
كما دفع بن غفير بهذا التشريع بوصفه أحد أبرز مشروعاته السياسية، وحصل على دعم بنيامين نتنياهو خلال التصويت النهائي.
وكالة أسوشيتد برس وصحف دولية نقلت أن القانون لن يطبق بأثر رجعي على المتهمين في هجوم السابع من أكتوبر 2023، لكنه سيدخل حيز النفاذ بعد ثلاثين يوما، مع توقعات بطعون أمام المحكمة العليا الإسرائيلية.
هذا التفصيل يوضح أن الحكومة أرادت تمرير القانون بسرعة، مع ترك معركة الدستورية لما بعد الإقرار لا قبله.
وفي هذا الإطار، حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك من أن التشريع الذي يفرض عقوبات إعدام على الفلسطينيين حصرا يتعارض مع القانون الدولي على مستويات عدة.
وبعد الإقرار النهائي، نقلت تغطيات دولية عنه أن تنفيذ القانون قد يرقى إلى جريمة حرب بسبب طابعه التمييزي ومساسه بالحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.
هذا التحذير وضع القانون فورا في دائرة المساءلة الحقوقية الدولية.
الرد الفلسطيني توسع لأن القانون يفتح باب قتل رسمي داخل السجون
لم تقرأ القوى الفلسطينية القانون باعتباره تعديلا جنائيا عاديا، بل اعتبرته تصعيدا خطيرا يهدف إلى شرعنة القتل بحق الأسرى داخل السجون.
هذا التوصيف لم يأت من فراغ، لأن الحركة الأسيرة تواجه أساسا أوضاعا بالغة القسوة منذ شهور، ومع القانون الجديد يصبح التهديد بالقتل جزءا من المنظومة التشريعية نفسها.
لذلك اتسعت الدعوات إلى التحرك الشعبي والسياسي والقانوني، ولم يجر حصر الرد في بيانات شجب أو إدانة شكلية.
ثم عززت مؤسسات الأسرى هذا الموقف عبر تحذيرات موثقة سبقت التصويت النهائي مباشرة.
مؤسسة الضمير نشرت في التاسع والعشرين من مارس ورقة حقائق قالت فيها إن القانون يمثل فصلا جديدا من الإبادة المستمرة بحق الأسرى، وإنه يفتح مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية.
هذا التوصيف يفسر لماذا جاء الإضراب في الضفة بهذه السرعة والاتساع، لأن المؤسسات المعنية بملف الأسرى نظرت إلى القانون باعتباره تهديدا مباشرا ووشيكا لا احتمالا بعيدا.
وفي هذا السياق، تمثل سحر فرنسيس، بصفتها مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، أحد أبرز الأصوات الحقوقية التي دفعت خلال الأيام الماضية باتجاه التحذير من نتائج هذا القانون والمطالبة بتحرك دولي لإسقاطه.
أهمية هذا الصوت تأتي من موقعه داخل المؤسسة الأكثر اتصالا بملف الأسرى وحقوقهم القانونية والإنسانية، وهو ما منح التحذير بعدا توثيقيا لا يقتصر على الخطاب السياسي العام.
وأخيرا، كشف إضراب الضفة أن القانون لم يُستقبل فلسطينيا كنص تشريعي جديد فقط، بل كمرحلة أشد في إدارة الصراع عبر القضاء والسجون.
الكنيست أقر القانون، وبن غفير دفع به، ونتنياهو منحه الغطاء، لكن الشارع الفلسطيني رد بإضراب واسع ومسيرات معلنة ورسائل مباشرة بأن ملف الأسرى لن يترك لمعادلة القوة الإسرائيلية وحدها.
لهذا لا يبدو ما جرى في الأول من أبريل احتجاجا عابرا، بل بداية مواجهة مفتوحة حول قانون يريد تحويل الإعدام من استثناء مهجور إلى سياسة رسمية موجهة ضد الفلسطينيين.

