جاء اجتماع إسلام آباد الرباعي الذي جمع السعودية وتركيا ومصر وباكستان في ذروة الحرب على إيران، وفي لحظة إقليمية اتسعت فيها الضربات العسكرية وتعثر فيها مسار التهدئة، فحمل الاجتماع منذ لحظته الأولى دلالة تتجاوز حدود التنسيق البروتوكولي. وقد أكد البيان الصادر عن اللقاء دعم خفض التصعيد، ومواصلة التشاور، ودفع المسار الدبلوماسي، بما يمنع اتساع الحرب. لكن الاجتماع لم يبق في حدود البيان الرسمي، إذ تحول سريعًا إلى مادة سياسية وإعلامية واسعة، وجرى تقديمه في بعض القراءات باعتباره نواة مركز إقليمي جديد قادر على تعديل موازين القوة في المنطقة وفتح مسار مختلف عن الإيقاع الأميركي المعتاد.
وفي المقابل، لم تذهب كل التقديرات في الاتجاه نفسه، لأن التناول السياسي والإعلامي للاجتماع رفع سقف نتائجه أكثر مما قالت الوقائع المعلنة حتى الآن. فبينما رأت أصوات عديدة أن الاجتماع أربك حسابات تل أبيب وفرض معادلة جديدة، ركزت تقديرات أخرى على أن الحدث ما زال في إطار التنسيق الدبلوماسي لا في إطار تأسيس تحالف أمني أو عسكري متماسك. ومن هنا جاءت أهمية التمييز بين ما ثبت رسميًا، وما قيل في التقييمات السياسية، وما يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة في ضوء الحرب الجارية.
قراءات رأت في الاجتماع بداية مركز قوة جديد
كتب الصحفي السوداني مكاوي الملك أن ما حدث في إسلام آباد يمثل زلزالًا سياسيًا ونهاية اللعبة التي راهن عليها بنيامين نتنياهو خلال الأسابيع الماضية. ورأى أن الاجتماع لم يكن لبحث الحرب فقط، بل لوضع حد لها وفرض معادلة جديدة بالكامل، وأنه يعكس إعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة من دون انتظار إذن من واشنطن أو تل أبيب. كما اعتبر أن باكستان انتقلت من موقع المتفرج إلى موقع الوسيط القادر على التأثير، وأن إسلام آباد تحولت إلى قناة خلفية رسمية بين واشنطن وطهران.
ثم ربط مكاوي الملك هذا التقدير بما قال إنها نتائج مباشرة للاجتماع، ومنها موافقة إيران على مرور سفن إضافية عبر مضيق هرمز بغطاء باكستاني، وهو ما اعتبره إشارة إلى تراجع تدريجي عن حافة الانفجار، وإلى أن التهدئة لم تعد مجرد حديث إعلامي. كما زعم أن السعودية وتركيا ومصر وباكستان، وهي من الحلفاء التقليديين لواشنطن، تتحرك معًا خارج المظلة الأميركية، بما يثير قلقًا كبيرًا في الكيان الإسرائيلي لأنه يمنع تحويل الحرب إلى صراع طائفي ويفتح قنوات تفاوض تسحب الذرائع من مشروع التمدد الإسرائيلي.
وقال موقع البوصلة إن هذا التقارب يثير قلقًا واضحًا في تل أبيب، لأن جمع هذه الدول الأربع يعني اجتماع جيوش ضخمة وقدرات صناعية وعسكرية متنوعة، تمتد من التكنولوجيا التركية إلى القدرات النووية الباكستانية، مرورًا بالثقل السياسي المصري والدور الاقتصادي السعودي. واعتبر الموقع أن هذا الرباعي قادر على تشكيل كتلة صلبة يصعب تجاوزها في أي ترتيبات تتعلق بالحرب أو بالأمن الإقليمي، لأن الوزن الذي تحمله هذه الدول يتجاوز حدود التوافق السياسي العابر.
https://x.com/ElboslaNewss/status/2038352324502958493
وأضاف موقع البوصلة أن الأثر الجغرافي لهذا التقارب لا يقل أهمية عن أثره العسكري، لأن هذه الدول تتحكم في أهم الممرات المائية في العالم، من قناة السويس إلى باب المندب إلى الخليج العربي والبحر الأحمر. وبحسب هذا التقدير، فإن أي تنسيق بينها يمكن أن يغير قواعد الحركة اللوجستية التي تعتمد عليها إسرائيل والغرب، ويمنح هذا الرباعي قدرة على التأثير في أمن الطاقة والتجارة العالمية. كما اعتبر الموقع أن التقارير الصهيونية بدأت تتحدث عن محور سني قوي يتشكل، ليس فقط لموازنة النفوذ الإيراني، بل أيضًا لفرض خطوط حمراء أمام التمدد الإسرائيلي.
خبراء رأوا في الاجتماع فرصة استراتيجية لكن بشروط
قال الأكاديمي السوري أحمد رمضان إن اجتماع أكبر أربع دول سنية في المشرق، وهي تركيا والسعودية ومصر وباكستان، يتجاوز هدف وقف الحرب إلى صياغة آلية مشتركة للتعامل مع تداعياتها، وفي مقدمة ذلك لجم نتنياهو وخططه لتدمير المنطقة، وردع إيران عن مهاجمة دول الخليج والأردن وتهديد سورية، ومخاطبة ترامب بشأن غياب استراتيجية واضحة ودور تل أبيب المريب. وبذلك أعطى أحمد رمضان للاجتماع معنى أوسع من مجرد التهدئة، ورأى فيه بداية تشكل مركز إقليمي جديد يفرض نفسه على المعادلات المقبلة.
https://x.com/AhmedRamadan_SY/status/2038039758295732370
وأضاف أحمد رمضان أن هذا المركز، إذا تطور إلى تحالف متين، سيجمع قدرات بشرية وعسكرية واقتصادية وردعًا نوويًا، بما يفرض على الولايات المتحدة والصين وروسيا التعامل معه باحترام. ثم بنى على ذلك أكثر من سيناريو يجب التعامل معه، من بينها هزيمة إيران وتفككها، أو خروجها منكسرة دون هزيمة كاملة، أو خسارتها السيطرة على مضيق هرمز ومحطات تصدير النفط والغاز، أو استمرار الحرب وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة. وفي كل هذه الحالات، رأى أن دول المركز تحتاج إلى تنسيق أعمق حتى لا تملأ تل أبيب الفراغ الاستراتيجي الناتج عن الحرب.
لكن هذا الطرح المتقدم يصطدم بسؤال التنفيذ العملي، لأن الانتقال من اجتماع سياسي إلى تحالف متين يحتاج إلى توافقات أوسع وإلى بنية ثابتة تتجاوز بيانات الطوارئ. ومع ذلك، فإن رأي أحمد رمضان يلفت النظر إلى أن مجرد اجتماع هذه الدول في لحظة اشتعال إقليمي يعبّر عن إدراك مشترك بأن التنافس السابق لم يعد مناسبًا لمرحلة تفرض اصطفافًا أوسع. ولذلك يبدو الاجتماع في هذه القراءة تأسيسًا أوليًا لفكرة مركز إقليمي، حتى لو لم تتحول هذه الفكرة بعد إلى إطار مؤسسي مكتمل.
أصوات أخرى قللت من الحديث عن حلف فعلي قائم
في المقابل، قلل الأكاديمي د. عصام عبد الشافي، المتخصص في العلوم السياسية، من شأن الحديث عن حلف عسكري سني يضم باكستان وتركيا والسعودية ومصر، واعتبر أن هذا التصور وهم كبير لن يتحقق ما لم تُعد النظم الأربعة النظر في علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وما لم تتفق فيما بينها على عدوها الاستراتيجي الأول. وبذلك نقل د. عصام عبد الشافي النقاش من الحماس الإعلامي إلى فحص الشروط السياسية البنيوية اللازمة لقيام أي محور إقليمي فعلي.
https://x.com/essamashafy/status/2037963426824114415
وأشار د. عصام عبد الشافي إلى أن أي حديث عن هذا الحلف يظل خطابًا للاستهلاك المحلي في ظل طبيعة النظم السياسية القائمة في هذه الدول، وما تشهده من أزمات وفجوات واختلالات وتباينات هيكلية. كما أوضح أن الفكرة مركزية ومهمة، لكن طرحها يجري بصورة عشوائية وتكتيكية من دون رؤية استراتيجية حقيقية بين الأطراف الأربعة. وأضاف أن هذه الدول مستهدفة استراتيجيًا من الكيان الصهيوني، لكنها لن تخوض حربًا مشتركة ضده حتى لو فُرضت عليها هذه الحرب، على الأقل حتى الآن.
وبناء على ذلك، تبدو قيمة اجتماع إسلام آباد قائمة في أنه فتح بابًا سياسيًا جديدًا وأظهر استعدادًا لتوسيع الدور الإقليمي في احتواء الحرب، لكنه لم يقدم حتى الآن ما يكفي للحديث عن حلف متكامل أو مركز قوة مكتمل الأدوات. فالاجتماع حمل رسالة سياسية مهمة، وأربك حسابات من راهنوا على تشتت العواصم الأربع، لكنه لم يحسم وحده اتجاه المنطقة. ولذلك تبقى دلالته الحقيقية مرتبطة بما إذا كان هذا التقارب سيتحول إلى تنسيق مستمر وآليات تنفيذية واضحة، أم سيبقى حدثًا سياسيًا كبيرًا استهلكه الإعلام أكثر مما غيّر الوقائع على الأرض.

