جاء توقيع بروتوكول التعاون بين هيئة التدريب للقوات المسلحة ووزارة التربية والتعليم ليضع معهد ضباط الصف المعلمين على مسار جديد يبدأ فيه تدريس البكالوريا المصرية والبكالوريا التكنولوجية اعتبارًا من عام 2026، بينما كانت الوزارة نفسها تدفع في الوقت ذاته بخطاب مواز عن الذكاء الاصطناعي والبرمجة وعن تشريع جديد ينظم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وهو تزامن يكشف أن القرار لم يعد تعليميًا فقط بل صار سياسيًا وتنظيميًا في الوقت نفسه.
التوسع من تطوير المناهج إلى إعادة تعريف وظيفة التعليم
أوضح هذا المسار أن السلطة لا تقدم الأمر باعتباره تعديلًا محدودًا في المناهج بل باعتباره إعادة ترتيب كاملة لفكرة التعليم نفسها، فبعد الحديث عن تطوير ما يدرسه ضباط الصف جاءت تصريحات الوزير محمد عبد اللطيف لتؤكد أن الوزارة بدأت تدريس مفاهيم البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي، بما يعني أن الدولة تنقل المدرسة من مساحة المعرفة العامة إلى مساحة الإعداد الوظيفي المبكر والانضباط الرقمي المباشر.
ولفت هذا التزامن الانتباه إلى أن السلطة تربط بين التعليم العسكري والتعليم المدني داخل خطاب واحد عنوانه الكفاءة والتحديث، لكن النتيجة الفعلية تبدو أوسع من ذلك، لأن إدخال مسارات جديدة داخل معهد عسكري بالتوازي مع فرض تصور مركزي لمهارات الطالب المدني يعكس توجها لإخضاع المجالين لمنطق إداري واحد، لا يسأل أولًا عن حرية المدرسة ولا عن قدرة المعلم بل عن سرعة التنفيذ وشكل الانضباط المطلوب.
ويبين رأي الدكتور تامر شوقي الخبير التربوي أن تدريس الذكاء الاصطناعي والبرمجة خطوة مهمة لمواكبة العصر، لكنه يربط أهميتها بحجم التحول المقبل في سوق العمل وبالقدرة الحقيقية على تأهيل الطلاب لهذه المرحلة، وهنا تظهر المشكلة لأن الوزارة تتحدث عن أهمية المهارة قبل أن تقدم للرأي العام كشفًا واضحًا بخطة تدريب المعلمين أو الفجوات بين المدارس أو أدوات القياس التي ستحدد نجاح التجربة من فشلها.
الخبراء يرحبون بالمبدأ لكنهم يفتحون ملف التنفيذ المؤجل
وأكد الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس والقياس والتقويم التربوي أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يمكن أن يرفع الوعي الرقمي ويعزز التفكير النقدي، لكنه حذر أيضًا من عقبات محددة تشمل تدريب المعلمين وتطوير مناهج مرنة وتحسين البنية التحتية ووجود تشريعات واضحة للاستخدام الأخلاقي والآمن، وهي ملاحظات تفضح الفجوة بين خطاب رسمي يتحدث بثقة عن المستقبل وواقع لم يحسم حتى الآن شروط البداية السليمة.
وفي موازاة ذلك يكشف اعتماد الوزارة على منصات دولية لتدريس مفاهيم البرمجة والذكاء الاصطناعي أن الدولة لم تبن بعد نموذجًا وطنيًا مكتملًا للمحتوى أو للتدريب أو للتقييم، لأن الاستعانة بالمنصات قد توفر سرعة في الإطلاق لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال العدالة بين المدارس ولا عن اختلاف جاهزية المحافظات ولا عن مصير المدارس التي تعاني أصلًا من نقص الإمكانات الأساسية قبل الحديث عن التحول الرقمي واسع النطاق.
ويرى الدكتور أحمد ضاهر نائب وزير التربية والتعليم أن دمج الذكاء الاصطناعي يجري داخل شراكات أوسع مع القطاع التكنولوجي لتطوير أدوات التعلم وتحسين استيعاب الطلاب وتمكين المعلمين من التدريس الرقمي، غير أن هذا التصور نفسه يؤكد أن الوزارة ما زالت في مرحلة بناء الأدوات والشراكات وليس في مرحلة امتلاك منظومة مستقرة، ما يجعل إعلان النجاح مسبقًا أقرب إلى خطاب دعائي يسبق اكتمال الشروط التعليمية على الأرض.
من حماية الأطفال إلى توسيع الرقابة باسم الحماية
وأشار انتقال النقاش من تدريس الذكاء الاصطناعي إلى مشروع قانون ينظم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي إلى أن الدولة لا تريد فقط طالبًا أكثر اتصالًا بالتكنولوجيا بل تريد أيضًا طالبًا أكثر خضوعًا لقواعد الاستخدام التي تضعها السلطة، فقد عرض الوزير الملف داخل لجنة الاتصالات باعتباره مسألة حماية للفئات العمرية من أربع سنوات حتى خمس عشرة سنة، مع الحديث عن منصة تعليمية وباقة إنترنت تعليمية وضوابط إضافية على الاستخدام.
وفي ظل هذا التوجه شرح جوزيف إدوارد المستشار القانوني لوزارة الاتصالات أن مشروع القانون المقترح يقوم على التحقق من سن الطفل وفرض ضوابط فنية وتقنية على مقدمي الخدمات وتحقيق توازن بين الإتاحة والحماية، لكن هذا التفسير القانوني لا يلغي أن أي منظومة تحقق ورقابة بهذا الاتساع قد تتحول بسهولة من حماية القصر إلى توسيع نطاق المتابعة والسيطرة الرقمية، خصوصًا حين تغيب الرقابة المجتمعية المستقلة على التطبيق وآليات الطعن والمساءلة.
ويؤكد هذا المسار كله أن الحكومة تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها أداة مزدوجة، فهي من جهة تروج لها داخل المدرسة باعتبارها طريقًا للتفكير النقدي والابتكار، ثم تعود من الجهة الأخرى لتطلب تشريعًا أشد إحكامًا لضبط المجال الرقمي نفسه، فتبدو الرسالة للطالب واضحة ومتناقضة في آن واحد، تعلم الأدوات الجديدة كما تريد الدولة ثم استخدمها داخل الحدود التي تقررها الدولة أيضًا.
وأخيرا أكدت المحصلة أن ما يجري ليس مجرد تحديث للمناهج ولا مجرد إدخال لمواد جديدة، بل إعادة رسم للعلاقة بين الطالب والدولة وبين المدرسة والسلطة، تبدأ بقرار تحت عنوان التطوير ثم تتسع إلى ضبط المحتوى والسلوك والاستخدام الرقمي، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد هل نُدرّس الذكاء الاصطناعي أم لا، بل من يضع المعنى ومن يراقب التطبيق ومن يدفع ثمن التجريب إذا تحولت المدرسة مرة أخرى إلى ساحة قرارات فوقية لا تسمع إلا صوتها.

