تنذر الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والناجمة عن الحرب الإيرانية المستمرة، بتأثيرات بالغة على العديد من القطاعات المحلية، ومن بين الصناعات المصرية الراسخة التي يتعين عليها مواجهة التداعيات الاقتصادية للصراع، فضلاً عن تغير المشهد التنافسي في المنطقة، صناعة الملابس.
وقال المهندس وائل علما رئيس جمعية قطن مصر في مقابلة مع موقع "إنترايز"، إن التضخم يشكل عامل الضغط الرئيس، فمع ارتفاع الأسعار، تتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، ونشهد تحولاً في أولويات الأسر، فعندما يضيق الدخل، يتجه الإنفاق نحو الضروريات، أما الملابس فهي نفقات اختيارية، ويتم تقليصها خلال الأزمات.
الإغلاق المبكر للمحلات التجارية
وأشار أيضًا إلى القرار الحكومي بإغلاق المحلات التجارية في التاسعة مساءً مما أدى إلى تغيير نمط الشراء التقليدي في مصر، فثقافة التسوق لدينا ليلية بطبيعتها، حيث يبلغ الإقبال ذروته في وقت متأخر من الليل، وتبقى المحلات مفتوحة حتى الواحدة صباحًا. وقد أدى ذلك إلى تقليص ساعات الذروة، مما أسفر عن انخفاض ملحوظ في معدلات الشراء.
أما على صعيد الصادرات، فوصف الوضع بأنه أكثر تفاؤلاً بشكل ملحوظ، "نشهد تحولاً هيكليًا في سلاسل التوريد العالمية يصب في مصلحة مصر، مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع التكاليف في أسواق منافسينا التقليديين، وتحديدًا تركيا والصين".
وأضاف علما أن الحرب الإقليمية المستمرة ستؤدي حتمًا إلى تباطؤ الاستثمارات الواردة، إلا أن التوجه العام لا يزال قائمًا. ولا يزال هدف مصر المتمثل في رفع صادرات المنسوجات والملابس إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2031 قابلاً للتحقيق من حيث الطاقة الإنتاجية والتمويل، شريطة استمرار تدفق المصانع إلى مصر.
وحول الخطوات التي ينبغي على الحكومة اتخاذها لمساعدة القطاع على تحقيق هدف التصدير، أوضح رئيس جمعية مصر للقطن: "يعتمد تحقيق إمكاناتنا التصديرية على ركيزتين أساسيتين: الشفافية والكفاءة. أولاً، يجب أن يتجاوز برنامج حوافز التصدير كونه مجرد إطار نظري على الورق. فلكي يتمكن المصنّعون من إدراج الحوافز بدقة في حسابات تكاليفهم، يحتاجون إلى نظام واضح وسلس. ثانيًا، يجب على الدولة إعطاء الأولوية لتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديدًا من خلال تسريع إجراءات ترخيص المصانع وإنشائها لمواكبة التدفق الحالي للطلب الدولي".
الميزة التنافسية لمصر
وبين أن الميزة التنافسية لمصر تستند إلى ثلاثة ركائز استراتيجية، في مقدمتها الشبكة الواسعة من اتفاقيات التجارة التفضيلية، التي تتيح للملابس المصرية الوصول إلى أسواق العالم ذات الإنفاق الأعلى معفاة من الرسوم الجمركية. وتتعزز هذه الميزة التنظيمية بهيكل تكلفة عمالة تنافسي للغاية وسجل حافل بالاستقرار التشغيلي، في سوق عالمية تتسم حاليًا بالتقلبات، ويوفر هذا المزيج من كفاءة التكلفة والموثوقية للمشترين الدوليين اليقين طويل الأجل الذي يحتاجونه.
وحول هي الأسواق التي ينبغي أن تركز عليها مصر لتحقيق أهداف التصدير هذه، قال علما: "لزيادة صادراتنا، يجب أن نتبنى استراتيجية مزدوجة المسار. تقليديًا، ركزت مصر على "التجزئة المنظمة"، حيث تُورّد منتجاتها لشركات عالمية عملاقة مثل زارا وإتش آند إم وول مارت. تطلب هذه العلامات التجارية منتجات محددة، ويقوم المصنعون المصريون بالإنتاج وفقًا لتلك المواصفات الدقيقة. هذه قناة راسخة لمصر وستبقى مهمة، لكن السوق الحقيقية غير المستغلة تكمن في أسواق "التجزئة غير المنظمة" في جميع أنحاء أفريقيا وبعض أجزاء آسيا".
وأضاف: "تُدار هذه الأسواق من قِبل تجار الجملة والتجزئة بدلاً من العلامات التجارية الكبرى. فبدلاً من تلبية الطلبات المُحددة مسبقًا، يُطوّر المُصنّعون خطوط إنتاجهم الخاصة، ويختار المشترون ما يُريدونه مباشرةً. كانت تركيا والصين رائدتين في السوق بالاعتماد على مصادر بأسعار معقولة، ولكن مع تزايد ارتفاع التكاليف في هذه المراكز، ظهرت فجوة كبيرة في العرض. ومن خلال تقديم أنفسنا كبديل جديد للمصادر، يُمكننا الاستحواذ على حصة كبيرة من التجارة".
تقلبات سعر صرف الجنيه
ورأى رئيس جمعية مصر للقطن أن "ثمة اعتقادًا خاطئًا شائعًا بأن تقلبات سعر صرف الجنيه المصري تُعدّ ميزةً جوهريةً لقطاع التصدير. فبينما يُفترض نظريًا أن ارتفاع قيمة الدولار يُعزز القدرة التنافسية، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا: إذ سرعان ما تتفاقم الضغوط التضخمية المحلية، لا سيما في تكاليف العمالة والخدمات اللوجستية، مما يُلغي ميزة سعر الصرف".
وأشار إلى أنه على الرغم من أن سعر الصرف المرن الذي تحركه السوق ضرورة مفهومة، إلا أن استقرار العملة يُعدّ أكثر قيمةً بكثير لاستراتيجيات التسعير طويلة الأجل من تقلبات الجنيه المصري وانخفاض قيمته. في نهاية المطاف، عندما ترتفع تكاليف التشغيل بالتوازي مع سعر الصرف، فإن ذلك لا يُعدّ مكسبًا على الإطلاق.
وأقر بأن العقبة الرئيسة التي تواجه صناعة الملابس هي الحصول على التمويل. إذ لطالما كانت البنوك المحلية متحفظة تجاه قطاع النسيج، ولم تتمكن من مواكبة إمكانات نموه الحالية. نحن بحاجة إلى أن يتحول القطاع المصرفي من نظرة سلبية إلى نهج أكثر تعاونًا وتركيزًا على القطاع، مع إعطاء الأولوية للمصدرين ذوي النمو المرتفع.
إلى جانب التمويل، اقترح علما وجود مدارس مهنية متخصصة، ووحدات تدريب، وسياسة موحدة، مشيرًا إلى بنجلاديش - التي لديها وزارة متخصصة في المنسوجات.
أسعار الطاقة
وحول ما إذا كانت ستؤثر الزيادات الأخيرة في أسعار الطاقة المحلية على هوامش أرباح شركات الملابس، قال رئيس جمعية مصر للقطن: "تمثل الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود تحديًا دقيقًا للقطاع. فبينما لا تُعد صناعة الملابس بحد ذاتها كثيفة الاستهلاك للطاقة، فإن التكاليف اللوجستية لنقل العمالة الكثيفة تُشكل ضغطًا كبيرًا. نشهد ارتفاعًا بنسبة 30-35% في تكاليف نقل العمال - وهي نفقات يتحملها صاحب العمل عادةً - مما يُقلل هوامش الربح بشكل فوري".
وتوقع أن تؤثر التأثيرات الأولية على القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، كالغزل والنسيج والصباغة، في نهاية المطاف على التكلفة النهائية للملابس، أما بالنسبة للمصدرين، فهذا ليس تهديدًا هيكليًا بقدر ما هو واقع عالمي، فمع ارتفاع تكاليف الطاقة لمنافسينا الدوليين، تبقى المنافسة متكافئة نسبيًا. وسيشعر المصنّعون في السوق المحلية بالضغط الحقيقي، إذ يفتقرون إلى التحوّط الطبيعي المتمثل في عائدات العملات الأجنبية لاستيعاب هذه التكاليف التشغيلية المتزايدة.
https://enterpriseam.com/egypt/inside_industry/what-the-iran-war-means-for-egypts-garment-sector/

