في مقال بالغ الحدة، يضع الكاتب عبد الناصر سلامة الجولة الخليجية الخاطفة التي قام بها عبد الفتاح السيسي في قلب أزمة أعمق بكثير من مجرد تحرك دبلوماسي عابر. سلامة لا يقرأ الزيارات الأربع إلى قطر والإمارات والبحرين والسعودية بوصفها جولة تنسيق سياسي مع حلفاء إقليميين، بل يقدّمها باعتبارها جولة استجداء مالي فرضتها خسائر الحرب على الاقتصاد المصري، بعد تراجع إيرادات قناة السويس، وارتفاع أسعار الغاز، واتساع الضغط على قطاع الكهرباء، ثم انتقال القاهرة سريعا بعد ذلك إلى طلب دعم أمريكي وأوروبي ودولي.
الأخطر في طرح سلامة أنه لا يتوقف عند حدود الجولة نفسها، بل يربطها بما يعتبره فضيحة أكبر تتعلق بمصير عشرات المليارات التي تدفقت إلى مصر خلال السنوات الماضية. فالرجل يثير بوضوح مسألة الحسابات الخاصة التي جرى الحديث عنها في تسريبات خليجية، ويسأل بصيغة سياسية مباشرة أين ذهبت الأموال، ولماذا لم تظهر على بنية الاقتصاد ولا على حياة المصريين، ولماذا وجدت الدولة نفسها بعد أسبوع واحد من الحرب عاجزة إلى هذا الحد، رغم كل ما قيل طوال سنوات عن الاستقرار والرخاء وثمار الإصلاح.
سلامة يهدم الرواية الرسمية ويقدّم الجولة باعتبارها استغاثة لا مبادرة
ينطلق عبد الناصر سلامة من نقطة تصادم واضحة مع الرواية الرسمية التي حاولت تسويق الجولة الخليجية باعتبارها تحركا سياسيا طبيعيا في لحظة إقليمية ملتهبة. غير أن الكاتب يرى أن تتابع الوقائع نسف هذا التفسير بسرعة، لأن الجولة لم تتبعها مواقف قوة أو قرارات إسناد، بل تبعتها اتصالات مصرية تبحث عن مساعدات مالية، ثم إجراءات تقشف داخلية عاجلة، بما يوحي بأن القاهرة لم تكن تتحرك من موقع شريك واثق، بل من موقع دولة مأزومة تبحث عمن يسعفها.
هذا الفهم يجد ما يدعمه في كتابات الباحث أحمد أبو دوح، الذي يرى أن السياسة الخارجية المصرية في السنوات الأخيرة أصبحت شديدة الحذر، محدودة الأثر، وتتحرك في الغالب بمنطق رد الفعل لا بمنطق المبادرة. وعندما توضع هذه الخلاصة إلى جانب الجولة الخليجية السريعة، يصبح من السهل فهم لماذا وصفها سلامة بأنها جولة اضطرار مالي أكثر منها جولة نفوذ سياسي، خصوصا في ظل انكشاف القاهرة السريع أمام صدمة الحرب وتكاليفها.
كما يقترب هذا المسار من قراءة روبرت سبرينغبورغ، الذي يربط بين بنية النظام الاقتصادي في مصر وبين الاعتماد المزمن على التدفقات الخارجية والدعم السياسي المصحوب بأموال سائلة. ومن هذه الزاوية تبدو جولة السيسي وكأنها استمرار لنمط قديم يقوم على طلب الإنقاذ كلما تعرضت الدولة لهزة خارجية، لأن النظام لم يبن قاعدة إنتاجية صلبة تحميه، بل عاش على تمويلات مساندة أكثر مما عاش على اقتصاد يولد مناعته بنفسه.
حكاية الحسابات الخاصة تمنح مقال سلامة أخطر ما فيه سياسيا
لا تقف حدة مقال سلامة عند وصف الجولة بأنها «جولة شحاتة»، بل تبلغ ذروتها حين يثير قضية الأموال الخليجية التي دخلت مصر منذ 2013، ثم يربطها بما يتردد عن حسابات خاصة في الخارج. وهنا لا يقدّم الكاتب وثائق قضائية أو بيانات رسمية حاسمة، لكنه يفتح بابا سياسيا بالغ الخطورة، لأن مجرد طرح السؤال بهذا الوضوح يعكس حجم التآكل الذي أصاب الثقة في رواية الدولة عن المال العام، وفي قدرتها على إقناع الداخل والخارج بأن هذه المليارات ذهبت فعلا إلى مسارات تنموية واضحة ومعلنة.
هذا المسار يتقاطع بقوة مع ما كتبه خالد الأناني عن أن الدعم الخليجي لمصر كان سياسيا بالأساس، وأنه خدم بقاء النظام أكثر مما خدم بناء اقتصاد منتج أو تحسين شروط الحياة للمجتمع. ومن هنا تكتسب أسئلة سلامة زخما إضافيا، لأن الفكرة لم تعد مجرد اتهام عابر، بل صارت مبنية على ملاحظة واقعية تقول إن المليارات دخلت، لكن أثرها التنموي العميق لم يظهر، وإن المجتمع لم يلمس ترجمة عادلة ومعلنة لكل هذا المال.
ويتكامل هذا الطرح مع رؤية تيموثي كالداس، الذي يشير إلى أن شركاء مصر الخارجيين استمروا في تمويلها سنوات طويلة من دون فرض مساءلة حقيقية أو إصلاحات جذرية. وهذه الملاحظة تساعد على فهم كيف أمكن لنظام بهذا الحجم من الغموض أن يستمر في تلقي الأموال بينما تتراجع الشفافية، وتضيق الرقابة، وتتسع المساحات المالية التي لا تخضع للمحاسبة العامة. ولهذا تحديدا تبدو مسألة الحسابات الخاصة في مقال سلامة أخطر من مجرد جملة هجومية، لأنها تلامس واحدة من أكثر مناطق النظام حساسية.
الكاتب يربط الحرب بكشف فشل أقدم من الحرب نفسها
المقال لا يقدم الحرب باعتبارها أصل الأزمة، بل باعتبارها الكاشف السريع لما كان مخفيا تحت السطح. فسلامة يصر على أن الدولة تعيش على اقتصاد هش يقوم على السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس، وهي موارد يمكن أن تضربها أي موجة توتر إقليمي أو عالمي. ولذلك فإن الحرب، من وجهة نظره، لم تصنع الأزمة من الصفر، بل نزعت الغطاء عن هشاشة تراكمت طوال سنوات تحت لافتات ضخمة عن الاستقرار والإصلاح والإنجاز.
هذه الفكرة تجد سندا في أعمال ميرييت مبروك، التي حذرت مرارا من هشاشة الاقتصاد المصري أمام الصدمات الخارجية، ومن محدودية قدرة موارده الأساسية على الصمود حين تدخل المنطقة في اضطراب واسع. وعندما توضع هذه الرؤية بجانب ما كتبه سلامة، يصبح المشهد أكثر وضوحا. المشكلة ليست فقط أن الحرب رفعت الأسعار وأربكت الإمدادات، بل أن الاقتصاد المصري دخل الحرب وهو مثقل أصلا باختلالات عميقة لم يجر علاجها بجدية.
ومن هنا يوسع سلامة دائرة الاتهام لتشمل نمط الحكم كله، لا الملف الاقتصادي وحده. فهو يربط بين غياب دراسات الجدوى، وهيمنة القرار الفردي، وتهميش المتخصصين، وإسكات الصحافة، وتقديم المشروعات الدعائية على التعليم والصحة والإنتاج، ثم يقول عمليا إن ما يجري اليوم ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لهذا المسار. وهذا المعنى يلتقي مع خلاصات كثيرة في الأدبيات السياسية التي تربط بين السلطوية وضعف المساءلة وبين إنتاج أزمات متلاحقة لا تجد من يوقفها في الوقت المناسب.
المقال يقدّم اتهاما سياسيا واسعا لا مجرد غضب عابر
قيمة ما كتبه عبد الناصر سلامة أنه لا يكتفي بالتنديد ولا بالحنين إلى خطاب معارض تقليدي، بل يبني سردية تقول إن النظام استهلك الدعم الخارجي، وبدد الفرصة، وأخفى الأرقام، ثم عاد بعد أول اختبار جدي يطلب النجدة من جديد. وهذا بالضبط ما يجعل مقاله شديد القسوة على السلطة، لأنه لا يمنحها فرصة الاحتماء بالحرب أو تقديم نفسها ضحية ظرف إقليمي طارئ، بل يحملها مسؤولية أن البلد وصل إلى هذه النقطة أصلا.
وعندما توضع هذه السردية إلى جانب ما يطرحه أحمد أبو دوح، وروبرت سبرينغبورغ، وخالد الأناني، وتيموثي كالداس، فإن الصورة تصبح أكثر تماسكا. أربعة خبراء من زوايا مختلفة يدعمون صلب ما ذهب إليه سلامة، حتى لو اختلفوا في اللغة أو في مستوى الحدة. جميعهم، بصيغ متفاوتة، يشيرون إلى دولة أكثر اعتمادا على الخارج، ونظام أقل خضوعا للمساءلة، واقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدمات، وعلاقات إقليمية لم تعد تمنح القاهرة شيكا مفتوحا كما كان الحال في السابق.
خلاصة أقرب إلى الإدانة منها إلى الوصف
بهذا المعنى، لا يبدو مقال عبد الناصر سلامة مجرد تعليق على جولة خارجية، بل يبدو لائحة اتهام كاملة ضد طريقة حكم استنزفت البلد ثم طلبت من الناس أن يصدقوا أن كل شيء كان يسير على ما يرام. وهو حين يربط بين «جولة الشحاتة» وبين «الحسابات الخاصة» لا يفعل ذلك بوصفه يبحث عن صدمة لفظية فقط، بل لأنه يريد القول إن الانكشاف المالي الراهن ليس حادثا منفصلا، وإنما نتيجة طبيعية لسنوات من الغموض والتقديس السياسي واحتقار الرقابة العامة.
وفي المحصلة، نجح سلامة في تحويل الجولة الخليجية من خبر بروتوكولي إلى عنوان أزمة حكم كاملة. فالسؤال لم يعد لماذا زار السيسي هذه العواصم، بل لماذا احتاج إلى هذه الجولة أصلا بعد كل ما قيل عن الإنجاز والاستقرار، وأين ذهبت الأموال السابقة، ولماذا عادت الدولة إلى نقطة الاستجداء بهذه السرعة. وهذه الأسئلة هي التي تمنح المقال ثقله الحقيقي، لأنها تضرب في أصل الشرعية الاقتصادية والسياسية للنظام لا في هامشه.

