لم تعد الأزمة الاقتصادية في مصر تُقرأ فقط من خلال بيانات حكومية تحاول تقليل وقع الصدمة أو تأجيل الاعتراف بحجمها الفعلي، لأن التقديرات الجديدة الصادرة عن جولدمان ساكس أعادت وضع الصورة أمام الجمهور من دون تجميل.
البنك الأمريكي لم يتحدث عن متغير منفصل يمكن احتواؤه بقرار إداري أو تصريح رسمي مطمئن، بل تحدث عن ثلاث دوائر ضغط تتحرك في الوقت نفسه، وهي ارتفاع متوقع في أسعار الوقود، ورفع جديد للفائدة البنكية، وصعود مرجح في التضخم.
هذه الحلقة لا تعني فقط أن المواطن سيدفع أكثر في محطة البنزين أو في قسط القرض أو في فاتورة السلع، بل تعني أن الدولة نفسها تدخل مرحلة جديدة من إدارة الأزمة عبر تحميل المجتمع كلفة إضافية فوق ما تحمله أصلًا منذ سنوات من التعويم والاقتراض ورفع الدعم وتآكل الدخول.
وإذا كانت السلطة قد بنت خطابها خلال الشهور الماضية على أن التضخم تراجع وأن الأسوأ مر، فإن توقعات جولدمان ساكس تقول بوضوح إن الأسوأ لم يخرج من المشهد بعد، بل يعيد ترتيب نفسه في صورة جديدة أكثر قسوة.
هذه القراءة لا تأتي في فراغ دولي أو محلي، لأن الحرب على إيران رفعت أسعار الطاقة عالميًا، وضغطت على الجنيه، وأربكت حسابات الاستيراد والنقل والتمويل، بينما اختار البنك المركزي المصري في 3 إبريل الإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير عند 19% للإيداع و20% للإقراض، مع اعتراف واضح بتصاعد المخاطر على مسار التضخم.
وبعد أيام قليلة، خرجت تقديرات جولدمان ساكس لتقول إن هذا التثبيت لن يستمر طويلًا، وإن المركزي مرشح للعودة إلى الرفع خلال الربعين الثاني والثالث من 2026 بإجمالي 200 نقطة أساس.
هذا التطور ينسف بسهولة الرواية التي حاولت تسويق التهدئة النقدية باعتبارها بداية انفراج، لأن البنك يتوقع عمليًا أن الضغوط القادمة ستكون أقوى من قدرة السياسة الحالية على احتوائها.
وعندما يرتبط ذلك بتوقعات جديدة تخص الوقود في أكتوبر وبضغوط تضخمية أعلى من التقديرات السابقة، فإن الحديث لم يعد عن أزمة عابرة، بل عن مسار متكامل عنوانه الواضح أن المصريين أمام موجة جديدة من الغلاء المبرمج لا مجرد اضطراب مؤقت في السوق.
رفع الفائدة يعود لأن التضخم لم يُهزم فعلًا
ثم بدأت أولى دوائر الضغط من سعر الفائدة نفسه، لأن جولدمان ساكس توقع أن يرفع البنك المركزي المصري الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في الربع الثاني و100 نقطة أساس أخرى في الربع الثالث من 2026.
هذا التقدير لم يأت من فراغ، بل استند إلى سعي المركزي للحفاظ على فائدة حقيقية موجبة بنحو 4% في مواجهة صعود جديد لمخاطر التضخم.
وبعد ذلك صار واضحًا أن قرار التثبيت الذي أعلنه البنك المركزي في مطلع إبريل لم يكن إعلانًا لانتصار على التضخم، بل كان وقفة قصيرة لالتقاط الأنفاس قبل جولة تشدد جديدة.
بلومبرغ قالت إن قرار الإبقاء على الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض جاء بينما تتعرض مصر لصدمة جديدة بسبب الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض الجنيه إلى مستوى قياسي.
كما دعمت بيانات الأسعار هذا الاتجاه، لأن التضخم السنوي في مصر ارتفع إلى 13.4% في فبراير بعد أن كان 11.9% في يناير، وهو ما أكدته بيانات متداولة استنادًا إلى أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
هذا الصعود في شهر واحد فقط أعاد التذكير بأن التراجع السابق لم يكن استقرارًا راسخًا، بل كان قابلًا للانقلاب السريع تحت ضغط الطاقة وسعر الصرف.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن الخطر الحقيقي في الاقتصاد المصري لا يزال مرتبطًا ببنية الدين والتشوهات الهيكلية، لا بالمؤشرات الظاهرية قصيرة الأجل.
قيمة هذا الرأي هنا أنه يفسر لماذا تبدو العودة إلى رفع الفائدة علامة على استمرار الأزمة لا على إدارتها بنجاح، لأن العلاج النقدي نفسه صار جزءًا من كلفة المأزق الهيكلي.
الوقود يرتفع لأن الدولة تنقل صدمة الخارج إلى الداخل
ثم تأتي الدائرة الثانية من أسعار الوقود، وهي الدائرة التي تمس السوق بأكمله لا جيب السائق فقط.
جولدمان ساكس يتوقع زيادة جديدة في أسعار الوقود داخل مصر خلال أكتوبر 2026، في لحظة ترتفع فيها أسعار النفط عالميًا وتزداد فيها حساسية الحكومة تجاه فجوة الدعم وكلفة الاستيراد.
وهذا يعني أن السلطة لا تتجه إلى امتصاص الصدمة الخارجية، بل إلى تمريرها داخليًا على مراحل.
وبعد هذا التوقع، تصبح الزيادة التي أقرتها وزارة البترول في 10 مارس 2026 جزءًا من مسار لم ينته بعد، لا محطة أخيرة كما حاولت بعض الخطابات الرسمية أن توحي.
الهيئة العامة للاستعلامات نقلت أن الأسعار ارتفعت وقتها بمقدار 3 جنيهات لبعض المنتجات البترولية، ما يعني أن السوق دخل أصلًا طورًا جديدًا من نقل كلفة الطاقة إلى المستهلك، قبل الحديث عن أكتوبر المقبل.
كما أن خبرة السنوات الأخيرة تقول إن رفع الوقود لا يبقى في محطات الخدمة، بل ينتقل بسرعة إلى النقل والسلع والغذاء والخدمات، ثم يعود مرة أخرى ليغذي التضخم الذي تزعم الدولة أنها تكافحه بالفائدة المرتفعة.
لذلك فإن الجمع بين رفع الفائدة ورفع الوقود لا يصنع استقرارًا، بل يصنع اقتصادًا يدفع فيه المواطن ثمنين في وقت واحد، مرة عند الشراء ومرة عند الاقتراض.
وفي هذا الإطار، يقول وائل النحاس إن أي زيادة في الوقود داخل اقتصاد يعتمد على النقل في كل حلقاته تعني تلقائيًا موجة ارتفاعات تتجاوز الطاقة نفسها إلى سلاسل الإمداد والأسعار النهائية.
أهمية هذا الرأي هنا أنه يكشف أن الحكومة لا ترفع الوقود بوصفه بندًا فنيًا معزولًا، بل تفتح عمليًا بابًا جديدًا لارتفاع تكاليف المعيشة على مستوى السوق كله.
التضخم يعود لأن الحلقة كلها تعمل ضد دخل المواطن
ثم تتجمع الدائرتان السابقتان داخل الدائرة الثالثة، وهي التضخم. البنك المركزي المصري نفسه قال إن مسار الأسعار يواجه مخاطر صعود متزايدة بسبب احتمال استمرار الصراع الإقليمي وآثار إجراءات الضبط المالي.
هذه الصياغة الرسمية مهمة لأنها تعني أن السلطة النقدية لم تعد تتحدث عن تضخم تحت السيطرة، بل عن تضخم مهدد بالارتفاع من جديد بفعل عوامل تعرفها الدولة جيدًا.
وبسبب ذلك، لا تبدو توقعات جولدمان ساكس عن الفائدة والوقود توقعات منفصلة، بل حلقات في السلسلة نفسها.
فالحرب ترفع النفط، والوقود ينقل الصدمة إلى الداخل، والأسعار ترتفع، ثم يعود المركزي لرفع الفائدة بحجة كبح التضخم، بينما تتآكل القدرة الشرائية أكثر.
هذه ليست دورة إنقاذ، بل دورة ضغط تعيد إنتاج الأزمة على حساب من لا يملكون أصلًا أدوات الدفاع عنها.
كما أن صندوق النقد الدولي، رغم إشادته بتقدم بعض الإصلاحات، أشار إلى أن هذا التقدم غير متوازن، وأن الدولة ما زالت مطالبة بتقليص هيمنتها الاقتصادية وتعميق الإصلاح.
هذه الملاحظة تكشف أن الوصفة القائمة لم تُنتج بعد استقرارًا كافيًا يحمي المجتمع من العودة السريعة إلى موجات الغلاء، بل أبقت الاقتصاد معرضًا لكل صدمة خارجية جديدة.
وفي المقابل، دافع هاني توفيق في مناسبات سابقة عن ضرورة استمرار الإجراءات الصعبة حين تفرضها ظروف السوق وتمويل الدولة، لكن هذا الدفاع نفسه لا يلغي حقيقة أن استمرار الفائدة المرتفعة ورفع الوقود يعنيان عمليًا أن فاتورة "الإصلاح" ما زالت تُحصّل من المواطن العادي قبل غيره.
وهذه هي النقطة التي تجعل كل حديث عن التعافي منقوصًا ما دام دخل الناس يواصل الانكماش أمام الأسعار.
وأخيرًا، لا تكشف توقعات جولدمان ساكس مجرد تحديث فني لمسار الاقتصاد المصري، بل تكشف أن الدولة تتجه إلى جولة جديدة من إدارة الأزمة بالأدوات نفسها التي أثقلت المجتمع خلال الأعوام الماضية.
فائدة أعلى، ووقود أغلى، وتضخم أكثر عنادًا، وكل ذلك في بلد لم يسترد بعد قدرته على حماية الأجور أو تخفيف كلفة المعيشة أو منع انتقال الصدمات الخارجية إلى موائد الناس مباشرة.
لذلك فإن الخطر الحقيقي في هذه التوقعات لا يكمن فقط في الأرقام، بل في معناها السياسي والاجتماعي.
الدولة التي وعدت بالاستقرار بعد التعويم والقروض ورفع الدعم تعود اليوم إلى النقطة نفسها تقريبًا، لكنها تطلب من المواطنين مرة أخرى أن يدفعوا الثمن بصمت.
وإذا مضت هذه التوقعات إلى التنفيذ، فإن المصريين لن يواجهوا مجرد موجة غلاء جديدة، بل سيواجهون اعترافًا غير مباشر بأن الأزمة التي قيل إنها تحت السيطرة ما زالت تحكم الاقتصاد من أعلى إلى أسفل.

