تفاقمت أزمة الكهرباء في مصر فلم تعد تقف عند حدود زيادة تعريفة أو تعديل شريحة، لأن ما جرى خلال الأيام الأخيرة كشف للمواطن أن الفاتورة صارت ساحة مفتوحة لتحصيل أعباء جديدة تحت عناوين رسمية مطمئنة، بينما التطبيق الفعلي يسير في اتجاه مختلف.

وقد أعلنت الحكومة أن الزيادة الأخيرة تستهدف الشريحة السابعة والعدادات الكودية وبعض الأنشطة التجارية، لكن شكاوى واسعة صدرت من مستخدمين قالوا إن الارتفاع أصاب استهلاكات أقل من ذلك، وظهر في فواتير قفزت بنسب صادمة رغم ثبات الاستهلاك أو تراجعه في بعض الحالات. كما تداولت منصات محلية تفاصيل زيادات على بعض الشرائح خلال 2025، مع حديث عن نسب بين 10 و15 بالمئة، بما زاد الشكوك حول اتساع نطاق الزيادة الفعلي.

 

هذه الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يلمسه الناس داخل بيوتهم صنعت غضبًا يتجاوز قيمة الفاتورة نفسها، لأن المواطن الذي يسمع وعودًا بعدم المساس به، ثم يتلقى رقمًا مضاعفًا في نهاية الشهر، لا يقرأ المسألة باعتبارها خللًا حسابيًا فقط، بل باعتبارها سياسة تُنقل كلفتها إليه بلا تفسير كاف.

وقد زاد المشهد توترًا مع استمرار الحديث عن انقطاعات متكررة في صيف 2025، في وقت أكد فيه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة تعمل على تجنب العودة إلى تخفيف الأحمال، ثم أعلنت الدولة لاحقًا خطة استثمارية بقيمة 11 مليار جنيه لتقوية الشبكة قبل صيف 2026، وهو ما بدا اعترافًا ضمنيًا بأن الأزمة كانت أعمق من الرواية الرسمية الأولى.

 

من الشريحة السابعة إلى العداد الكودي.. كيف تمددت الزيادة خارج الرواية الرسمية

 

يعرض الجدل الدائر حول الفواتير صورة مباشرة لأزمة الثقة بين الحكومة والمستهلك، لأن البيان الرسمي قال إن الزيادة لن تمس محدودي ومتوسطي الاستهلاك، بينما جاءت الشكاوى من داخل شرائح يفترض أنها خارج الاستهداف. وقد نقلت تقارير محلية أن التعريفة الجديدة شملت زيادات متفاوتة على المنازل والتجاري بنسب تراوحت بين 4 و15 بالمئة، وهو ما ينسف عمليًا فكرة أن التعديل اقتصر على نطاق ضيق ومحدد كما قيل في البداية.

 

ثم تحوّل العداد الكودي إلى مركز الغضب الأوضح، لأن مستخدمين كثيرين قالوا إن المحاسبة فيه تجري بسعر أعلى وثابت، من دون شرائح الحماية التي تُستخدم في العدادات التقليدية. وفي هذا السياق، قدّم الباحث محمد حبيب، عبر حسابه على منصة إكس، مثالًا قال فيه إن استهلاكًا ارتفع من 284 إلى 308 كيلووات فقط، بينما قفزت الفاتورة من 364 جنيهًا إلى 874.95 جنيهًا، وهو ما دفعه إلى اتهام آلية المحاسبة نفسها بأنها أصل الأزمة، لا حجم الاستهلاك وحده.


https://x.com/BeboFinance2021

 

وبعد اتساع الشكاوى، عاد خبراء في القطاع إلى تفسير ما يحدث من زاوية هيكل التسعير نفسه. وقد قال الدكتور حافظ سلماوي، الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إن الحكومة مستمرة في مسار رفع الأسعار كلما ارتفعت تكلفة الإنتاج أو تقلص الدعم، وهو ما يعني أن التعديل لا يتحرك فقط وفق الشرائح المعلنة، بل وفق فجوة التمويل داخل القطاع. وبذلك يصبح المواطن الطرف الذي يتلقى أثر السياسة قبل أن يفهم حدودها الدقيقة.

 

ثم يفسر هذا المسار سبب اتساع الاحتقان، لأن المواطن لا يرى فقط رقمًا أعلى على الورق، بل يرى أيضًا تضاربًا بين حسبة الوزارة وما يخرج من ماكينة التحصيل. وعندما تتكرر هذه الفجوة في شهادات متعددة، يتعامل معها الناس باعتبارها دليلًا على غياب الشفافية في احتساب الاستهلاك والرسوم والإضافات. ولذلك لم تعد الأزمة محصورة في قيمة الزيادة، بل امتدت إلى سؤال مباشر عن عدالة المعادلة كلها.

 

قانون يجرّم الأزمة.. الغرامات والسجن بدل معالجة الخلل

 

ومع تصاعد الغضب من الفواتير، دفعت الحكومة في اتجاه أكثر تشددًا عبر قانون الكهرباء الجديد، الذي تضمن غرامات كبيرة وعقوبات سالبة للحرية في بعض المخالفات المرتبطة بالتيار. وقد رأى كثيرون أن هذا المسار ينقل الأزمة من نطاق الخدمة العامة والتسعير إلى نطاق التجريم، في وقت لم يحصل فيه المواطن على تفسير مقنع لأسباب القفزات في الفواتير، ولا على ضمانة حقيقية بأن المنظومة تعمل بعدالة متساوية على الجميع.

 

ثم جاء الاعتراض من زوايا اجتماعية واقتصادية معًا، لأن قطاعات واسعة رأت أن العقوبات المشددة لا تلامس أصل الأزمة المتعلق بالبنية التحتية وسوء الإدارة واتساع الفارق بين المعلن والمطبق. وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد إن ملف الكهرباء يواجه فجوة تمويلية ضخمة، وإن استمرار الزيادات يرتبط مباشرة بمحاولة الدولة تخفيف عبء مالي كبير عن الموازنة، لا بتحسن الخدمة للمستهلك وحده.

 

وبينما تبرر وزارة الكهرباء جزءًا من الضغوط بملف سرقات التيار، يرفض مواطنون وخبراء تحميل الملتزمين تكلفة عجز الدولة عن ضبط المخالفين. وقد عبّر أشرف إمام، في منشور متداول، عن هذا المعنى عندما ربط بين فاتورة صيفه الماضي التي بلغت 3200 جنيه، وبين خوفه من زيادات جديدة تتراوح بين 10 و15 بالمئة، معتبرًا أن المواطن الذي يدفع أصلًا لا يجب أن يسدد فاتورة فشل الحكومة في مواجهة السرقات أو تقليل الهدر.

 

https://www.facebook.com/ashraf.emam.1656/posts/pfbid0vGpMhv9fvnRWvAtTXmrSS1KvV5W8MwhRtmwd97cKbeTprdZYdBypTmnSyaSi9KC2l

 

وبذلك اتسع الخلاف من مجرد رفض فاتورة مرتفعة إلى رفض منطق كامل في الإدارة، لأن المواطن يسمع عن الردع والعقاب أكثر مما يسمع عن تحديث العدادات، أو توسيع الشبكة، أو مراجعة أسس المحاسبة. وعندما تتقدم لغة التهديد على لغة الإصلاح، يصبح القانون في نظر الناس أداة لإسكات الشكوى، لا وسيلة لتنظيم الخدمة وحماية المشترك العادي من الفوضى والتمييز.

 

صيف الانقطاعات ووعود الحكومة.. خدمة متراجعة وفاتورة تصعد

 

في يونيو 2025 قال مصطفى مدبولي إن الحكومة لا تنوي العودة إلى تخفيف الأحمال، ووصفت السلطة الانقطاعات التي حدثت بأنها أعطال عارضة مرتبطة بارتفاع الحرارة. لكن الوقائع التي جرى تداولها لاحقًا من مناطق في القاهرة الكبرى والجيزة أظهرت انقطاعات طويلة وصلت في بعض الحالات إلى 72 ساعة، كما دفعت الحكومة إلى وقف إمدادات الغاز عن بعض المصانع من أجل تأمين احتياجات المنازل، وهو ما أكد أن الأزمة لم تكن تفصيلًا عابرًا.

 

ثم أعلنت الدولة في أغسطس 2025 خطة استثمارية بقيمة 11 مليار جنيه لإنشاء محطات جديدة وتقوية الكابلات، مع إعطاء أولوية لمناطق مثل البدرشين والعياط وأبو النمرس وهضبة الأهرام قبل صيف 2026. وقد بدا هذا الإعلان مهمًا من حيث الحجم، لكنه كشف في الوقت نفسه أن الشبكة كانت تعمل تحت ضغط شديد، وأن المواطن دفع بالفعل ثمن الأزمة في فاتورته وفي ساعات الظلام معًا قبل أن تصل الاستثمارات الموعودة.

 

وفي قراءة فنية للمشهد، قال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن ملف الطاقة في مصر يخضع لضغوط متشابكة تخص الوقود والتكلفة والطلب المتصاعد، وهو ما يجعل أي معالجة جزئية غير كافية وحدها. لكن هذا التفسير الفني لا يبدد غضب المواطنين، لأن السؤال الشعبي لم يعد عن وجود أزمة من عدمها، بل عن سبب تحميل الأسر عبء الأزمة كاملة قبل أن ترى تحسنًا ملموسًا في الاستقرار والجودة.

 

ثم أضافت المقارنات اليومية مزيدًا من السخط، لأن حسابات ومنصات على مواقع التواصل تداولت صورًا وتعليقات عن شوارع تغرق في الظلام بينما تبدو منشآت تابعة للجيش أو جهات سيادية مضاءة بصورة كاملة. وقد صاغت حسابات مثل nonia1111 هذا المعنى باعتباره ازدواجية في توزيع الأعباء، حيث يُطلب من المواطن تقليل الاستهلاك وتحمل الفاتورة والانقطاع، بينما يعتقد كثيرون أن مؤسسات بعينها لا تواجه المعاملة نفسها.

 

 

وهكذا انتهت الأزمة إلى صورة مكثفة عن علاقة مختلة بين السلطة والمجتمع، لأن الفاتورة ارتفعت، والخدمة لم تتحسن بالقدر الذي وُعد به الناس، والقانون اتجه إلى العقوبة، والتبريرات الرسمية بقيت أقل من حجم الشكوى اليومية. لذلك لم تعد الكهرباء في نظر قطاعات واسعة خدمة عامة تُدار لمصلحة المواطنين، بل ملف جباية وضبط اجتماعي تدفع كلفته الأسر مرة عند الشحن ومرة عند التحصيل ومرة ثالثة حين تنطفئ الأنوار في قلب الصيف.