توسل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في محادثات أجراها مع الاتحاد الأوروبي لتقديم موعد صرف دفعة من الدعم الأوروبي إلى منتصف العام الحالي بدلًا من نهايته، في اعتراف جديد بأن الخزانة الرسمية لم تعد تحتمل الانتظار حتى آخر السنة. ويأتي هذا الطلب بينما ترتبط القاهرة أصلًا بحزمة أوروبية معلنة منذ مارس 2024 بقيمة 7.4 مليار يورو تمتد حتى 2027، بينها 5 مليارات يورو في صورة مساعدات مالية كلية، وقد صرف الاتحاد منها مليار يورو في يناير 2026 فقط، فيما ما تزال القاهرة تلاحق الشريحة التالية قبل موعدها.
هذا التطور لا يقدمه مدبولي بصفته أزمة سيولة خانقة بقدر ما يقدمه بصفته تفاوضًا عاديًا مع شريك خارجي، لكن الوقائع نفسها تقول إن الحكومة التي تفاخر كل شهر بخطاب الاستقرار عادت لتطلب تعجيل دفعة كان يفترض أن تصل في نهاية العام. كما يكشف طلب التبكير ستة أشهر كاملة أن السلطة لم تنجح في بناء هامش مالي يحميها من التقلبات، رغم القروض السابقة، ورغم الأموال التي دخلت من مؤسسات دولية وأوروبية وخليجية خلال العامين الماضيين.
طلب التعجيل يفضح ضيق الخزانة ولا يثبت قوة التفاوض
تبدأ المشكلة من صيغة الإعلان نفسها، لأن مدبولي لم يتحدث عن تمويل جديد بل عن تعجيل صرف أموال مقررة أصلًا ضمن الحزمة الأوروبية. وهذا يعني أن الحكومة لا تملك رفاهية الانتظار للجدول الزمني المتفق عليه، رغم أن الاتحاد الأوروبي أقر الشريحة الثانية البالغة 4 مليارات يورو ضمن المساعدات المالية الكلية بعد مسار تشريعي وسياسي امتد منذ 2025.
ثم يزداد المعنى وضوحًا لأن الحزمة الأوروبية التي أعلنها الاتحاد في مارس 2024 لم تكن منحة مفتوحة، بل رزمة ممتدة تشمل 5 مليارات يورو من القروض الميسرة و1.8 مليار يورو من الاستثمارات و600 مليون يورو من المنح، أي أن الجزء الأكبر منها ديون أو التزامات مشروطة لا يمكن تقديمها بوصفها نجاحًا اقتصاديًا صافيا للحكومة.
وفي هذا السياق قال أنطوني دوركين، الباحث البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الاتحاد الأوروبي يخاطر بضخ أموال في نموذج اقتصادي فاشل إذا لم يربط الدعم بإصلاحات ذات معنى. وتكتسب هذه الملاحظة دلالتها الآن لأن حكومة مدبولي تطلب تسريع الصرف قبل أن تقدم دليلًا مقنعًا على أن أسباب الاختناق المالي قد تراجعت بالفعل.
وبعد ذلك لا يعود طلب التعجيل مجرد تفصيل إجرائي في تفاوض مالي، لأن جوهره السياسي واضح وهو أن الحكومة التي تحدثت طويلًا عن تجاوز الأسوأ عادت لتبحث عن سيولة سريعة من الخارج. كما أن هذا السلوك يضعف خطابها الداخلي، لأن المواطن الذي يتحمل الضرائب ورفع الأسعار يسمع في الوقت نفسه أن السلطة تنتظر دفعة مبكرة من أوروبا كي تعبر الأشهر المقبلة.
الحزمة الأوروبية نفسها تكشف أن القاهرة عالقة في دورة الاستدانة
يتصل طلب الحكومة بسياق أوسع، لأن الاتحاد الأوروبي صرف في 15 يناير 2026 شريحة أولى بقيمة مليار يورو ضمن المساعدات المالية الكلية لمصر، بينما قال بدر عبد العاطي في 8 يناير 2026 إن القاهرة تتوقع صرف الـ4 مليارات يورو المتبقية حتى 2027 على ثلاث دفعات. لكن إعلان مدبولي الأخير أظهر أن الحكومة لم تنتظر هذا المسار، وذهبت بدلًا من ذلك للمطالبة بتقديم الدفعة التالية إلى منتصف 2026.
ثم تؤكد الأرقام أن الأزمة ليست عابرة، لأن تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في فبراير 2026 أتاح لمصر سحب نحو 2.3 مليار دولار بعد استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة، بينما كانت تقديرات سابقة للاحتياجات التمويلية الخارجية قد أظهرت فجوات بمليارات الدولارات خلال العامين الماليين 2024 و2025 و2025 و2026. ولذلك يبدو طلب مدبولي امتدادًا مباشرًا لعجز مزمن لا لظرف طارئ فقط.
وفي قراءة أكثر مباشرة كتب علاء شاهين سلحة في مطلع أبريل 2026 أن طريقة إدارة مصر للأزمات تحسنت، لكن المخاطر الأساسية بقيت كما هي. وتنسجم هذه الخلاصة مع المشهد الحالي، لأن الحكومة ما تزال تعتمد على القروض والدعم الخارجي لتخفيف الصدمة، من دون أن تقطع مع الأسلوب نفسه الذي جعل كل أزمة جديدة تنتهي بطلب تمويل جديد.
وبسبب ذلك لم يعد ممكنًا التعامل مع الحزمة الأوروبية باعتبارها شهادة ثقة بقدر ما هي وسيلة إنقاذ مؤقتة لنظام مالي يستهلك نفسه باستمرار. كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه ربط دعمه باعتبارات الاستقرار والهجرة والطاقة، وهو ما يعني أن بروكسل لا تتحرك بدافع إنقاذ المواطن المصري، بل وفق مصالحها، بينما تقدم حكومة مدبولي هذا المسار داخليًا كأنه إنجاز سيادي كامل.
مدبولي يطلب الدفعة مبكرًا بينما الإصلاح المؤجل يفاقم الثمن على الناس
ينكشف الخلل الأعمق حين يُنظر إلى بنية الاقتصاد التي لم تتغير بالقدر الكافي رغم كل اتفاق جديد. فقد كتب يزيد صايغ، الباحث البارز في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في يناير 2025 أن صندوق النقد والمؤسسات الدولية تكيفت مع الدور الاقتصادي الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية بدل فرض إصلاح هيكلي حقيقي. وهذا الحكم يضرب مباشرة جوهر الرواية الحكومية التي تتحدث عن إصلاح مستمر ونتائج متراكمة.
ثم تظهر النتيجة السياسية لهذا الخلل في سلوك الحكومة نفسها، لأن السلطة التي لم تفكك أسباب الاعتماد المزمن على الخارج عادت لتطلب تعجيل دفعة أوروبية قبل موعدها بستة أشهر. كما أن هذا الطلب يأتي بعد عامين تقريبًا من ترقية العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة، وبعد حصول مصر على الشريحة الأولى، وبعد موافقات أوروبية متتالية، ما يعني أن المشكلة بقيت في الداخل حتى مع استمرار الدعم الخارجي.
وبعد ذلك يصبح أثر هذا المسار واقعًا يوميًا على المجتمع، لأن كل جولة تمويل خارجية ترتبط في الداخل بمزيد من الضغط المالي ورفع الأعباء على المواطنين. ولا يغير من ذلك أن الحكومة تستخدم عبارات من نوع المرونة أو الصمود، لأن الوقائع الثابتة تقول إن السلطة لم تطلب الآن استثمارًا إضافيًا منتجًا، بل طلبت تقديم موعد صرف مال مقرر أصلًا كي تسد فجوة حاضرة.
وأخيرًا تكشف خطوة مدبولي الأخيرة حقيقة أبسط من كل العناوين الرسمية، وهي أن الحكومة التي تتحدث باسم الاستقرار عادت إلى بروكسل تستعجل مال آخر السنة في منتصفها. وهذا المشهد لا يفضح فقط ضيق السيولة، بل يفضح أيضًا فشل خطاب كامل بُني على أن مصر خرجت من عنق الزجاجة، بينما يثبت الواقع أن السلطة ما تزال تدير البلد بالاستدانة المؤجلة وتطلب من الخارج أن يسرّع موعد النجدة.

