سجل العجز الكلي للموازنة العامة خلال أول 9 أشهر من العام المالي الحالي نحو 1.28 تريليون جنيه، بما يعادل 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما أعلنه وزير المالية أحمد كجوك في مؤتمر موازنة 2026/2027. الرقم في حد ذاته لا يقدم مجرد مؤشر مالي، بل يكشف حجم الضغط الذي يثقل المالية العامة في لحظة تتحدث فيها الحكومة عن “موازنة طموحة ومتوازنة” وعن مسار اقتصادي قادر على الجمع بين الانضباط المالي والنمو والحماية الاجتماعية في وقت واحد. غير أن هذا الخطاب الرسمي يأتي بينما تؤكد مؤسسات دولية أن احتياجات التمويل لا تزال مرتفعة وأن خدمة الدين ما زالت تلتهم حصة كبيرة من الإيرادات العامة وتضغط على الإنفاق التنموي.
وضعت وزارة المالية موازنة 2026/2027 تحت عنوان الجمع بين تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين ومساندة النشاط الاقتصادي والمستثمرين، مع التعهد بضبط الإنفاق وتعظيم الإيرادات وخفض فجوة العجز. لكن المسار الذي تعلنه الوزارة يعتمد في الوقت نفسه على أهداف صعبة تتعلق بخفض العجز إلى 4.9% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027، ورفع الإيرادات إلى 4 تريليونات جنيه، وزيادة المصروفات إلى 5.1 تريليون جنيه، مع الحفاظ على فائض أولي كبير وتمويل حماية اجتماعية أوسع. هذا التناقض بين اتساع العجز الحالي وطموح الأهداف المقبلة يضع الموازنة الجديدة تحت اختبار مبكر قبل بدء تنفيذها أصلًا.
العجز الحالي يفضح حجم الالتزامات قبل بدء الموازنة الجديدة
تكشف بيانات الأشهر التسعة الأولى أن حديث الوزير عن “حجم التزامات الدولة” ليس توصيفًا دعائيًا فقط، بل إقرار مباشر بأن الموازنة الحالية تتحرك تحت حمل ثقيل. كجوك قال إن العجز البالغ 1.28 تريليون جنيه يعكس هذا الحجم من الالتزامات، وإن الوزارة تعيد مراجعة مستهدفات وأولويات السياسة المالية بما يضمن تكاملها مع المسار الاقتصادي للدولة خلال المرحلة المقبلة. غير أن مجرد الوصول إلى 5.2% خلال 9 أشهر يضع ضغطًا واضحًا على أي محاولة لتسويق الموازنة الجديدة باعتبارها نقطة تحول سهلة أو قريبة.
ثم إن الأهداف التي أعلنتها الحكومة في مارس الماضي ترفع سقف التوقعات أكثر مما تخفف المخاوف. فالموازنة الجديدة تستهدف خفض العجز إلى 4.9% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027، وخفض الدين إلى نحو 78% من الناتج، وتحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه تمثل 5% من الناتج. هذه الأرقام تبدو متماسكة على الورق، لكن الانتقال من عجز فعلي مرتفع الآن إلى خفض سريع خلال عام مالي واحد يظل رهينًا بعوامل لا تتحكم فيها الوزارة منفردة.
وبسبب ذلك يرى محمد فؤاد أن خفض العجز إلى 4.9% قد يكون ممكنًا محاسبيًا، لكنه شديد الحساسية على أرض الواقع إذا لم يصاحبه انخفاض حقيقي في الديون وفي عوائد أذون الخزانة وتحسن فعلي في آجال الاستحقاق. فؤاد قال أيضًا إن المطلوب هو انضباط حقيقي في المصروفات لا انضباط محاسبي، مع منع ترحيل الأعباء إلى موازنات أخرى، لأن المواطن لن يشعر بأي تحسن إذا تحققت المؤشرات على الورق فقط.
لذلك لا يبدو العجز الحالي مجرد رقم من الماضي القريب، بل نقطة انطلاق صعبة للموازنة المقبلة. وإذا كانت الحكومة تقول إن السياسة المالية ستتكامل مع النشاط الاقتصادي لضمان استمرار دوران عجلة الإنتاج وتوفير الحماية الاجتماعية، فإن هذا التكامل نفسه يحتاج حيزًا ماليًا أوسع مما تسمح به أوضاع العجز وخدمة الدين الآن. صندوق النقد أوضح في مراجعته الأخيرة أن احتياجات التمويل الإجمالية ما زالت مرتفعة، وأن الدين العام يظل مستدامًا على المدى المتوسط لكن مع مخاطر سيادية عالية.
موازنة 2026/2027 توسع الإنفاق وتراهن على إيرادات أكبر
قدمت الحكومة مشروع موازنة 2026/2027 بوصفه “طموحًا ومتوازنًا”، وحددت له أربع أولويات مالية مرتبطة بدعم المواطنين والمستثمرين والنشاط الاقتصادي. كجوك قال إن الموازنة تستهدف 27.6% زيادة في الإيرادات العامة لتصل إلى 4 تريليونات جنيه، مع زيادة 13.2% في المصروفات لتبلغ 5.1 تريليون جنيه. كما خصصت الحكومة 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية و90 مليار جنيه لبرامج دعم النشاط الاقتصادي المرتبط بنتائج فعلية على الأرض.
ثم وسعت الوزارة وعودها بالحديث عن زيادة مخصصات الصحة 30% والتعليم 20%، مع استمرار مبادرات دعم الإنتاج والتصنيع والتصدير وتوسيع التأمين الصحي الشامل. هذه الرسائل تخدم صورة الموازنة سياسيًا، لأنها تربط بين التقشف المالي والانحياز الاجتماعي في الوقت نفسه. لكن كل زيادة جديدة في الالتزامات تحتاج موردًا مستقرًا ومضمونًا، بينما يعتمد جزء معتبر من الخطة على نمو ضريبي قوي وعلى قدرة الحكومة على إدارة الضغوط الاستثنائية الناتجة من البيئة الإقليمية المضطربة.
وفي هذا السياق قال مصطفى شفيع إن تحقيق مستهدف العجز يعتمد أساسًا على إعادة هيكلة جانبي الإيرادات والنفقات، مع اعتماد كبير على تنمية الإيرادات الضريبية التي تمثل نحو 70% من الإيرادات العامة. شفيع حذر في الوقت نفسه من أن هذا المسار قد يفرض آثارًا مباشرة على المواطنين إذا جاء عبر ضرائب أو أوعية جديدة، كما أكد أن خدمة الدين تستحوذ على أكثر من 55% من إجمالي الإنفاق العام.
كما أن الرهان على الإيرادات وحدها لا يجيب عن السؤال الأصعب المتعلق بقدرة الاقتصاد نفسه على حمل هذه الأهداف. بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة في أبريل 2026 أظهرت أن القطاع الخاص غير النفطي سجل أضعف أداء له في نحو عامين، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة بسبب الحرب الإقليمية وارتفاع تكاليف الوقود والواردات. هذا التباطؤ لا يلغي هدف النمو، لكنه يجعل تحقيقه أكثر صعوبة في ظل بيئة أقل استقرارًا من تلك التي تفترضها الموازنة.
خدمة الدين تظل العقدة الأكبر رغم خطاب الضبط المالي
تتحدث الحكومة عن آليات واضحة لضبط الإنفاق وتعظيم الإيرادات، لكنها لا تستطيع تجاوز الحقيقة الأساسية، وهي أن خدمة الدين ما زالت تستهلك مساحة ضخمة من الموازنة. رويترز ذكرت في أبريل 2026 أن مدفوعات الفائدة تقترب من نصف الإنفاق الحكومي، وذلك بالتزامن مع رفع أسعار الكهرباء والوقود وتباطؤ بعض المشروعات العامة تحت ضغط التكاليف المتصاعدة. هذا الواقع يعني أن أي حديث عن “التوازن المالي المنشود” يصطدم أولًا بالعبء الذي تفرضه الفوائد نفسها.
وبعد ذلك تبدو وعود خفض فجوة العجز مرتبطة مباشرة بمسار الدين لا بمسار الإنفاق الاجتماعي وحده. صندوق النقد قال في مراجعته الأخيرة إن استراتيجية إدارة الدين النشطة وخفض بصمة الدولة خطوات ضرورية، لكنه شدد أيضًا على أن التقدم المحدود في الإصلاحات الأعمق يبقي احتياجات التمويل مرتفعة ويضغط على النمو متوسط الأجل. هذا التقييم يوضح أن الوزارة لا تواجه فقط حسابات الموازنة، بل تواجه أيضًا شروطًا هيكلية لم تُحسم بعد.
وفي هذا الموضع يكتسب رأي هاني توفيق وزنه، لأنه قال إن أرقام النمو لا تحمل قيمة حقيقية إذا نتجت فقط عن زيادة الاستهلاك ولم تنعكس على الدخل القومي والاستثمار والتشغيل أو سداد الديون. توفيق شدد على أن الأولوية يجب أن تكون لزيادة الاستثمار لا للاكتفاء بمعدلات نمو رقمية، لأن تجارب السنوات الماضية أظهرت نموًا متزامنًا مع تدهور الأوضاع وارتفاع الدينين الداخلي والخارجي في الوقت نفسه.
لذلك فإن الموازنة الجديدة، رغم ما تحمله من أرقام كبيرة وخطاب مطمئن، لا تبدو حتى الآن وثيقة حسم بقدر ما تبدو محاولة لإدارة أزمة ممتدة. الوزير قال إن التكامل بين السياسة المالية والنشاط الاقتصادي هو المحرك الأساسي لموازنة 2026/2027، لكن هذا التكامل لن يتحقق فعليًا ما دامت خدمة الدين تبتلع الموارد، وما دام العجز الحالي مرتفعًا، وما دامت أهداف الخفض السريع تحتاج اقتصادًا أكثر قدرة على توليد إيرادات حقيقية وأقل اعتمادًا على التمويل المكلف.
وفي الخاتمة، تكشف أرقام كجوك أن المعضلة لا تكمن في غياب الأهداف، بل في اتساع المسافة بين ما تقوله الحكومة وما تسمح به بنية المالية العامة. عجز بقيمة 1.28 تريليون جنيه خلال 9 أشهر لا يمكن فصله عن موازنة جديدة تعد بالتوازن والنمو والحماية الاجتماعية وخفض الدين في وقت واحد. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ماذا تستهدف الحكومة، بل كيف ستمنع أن يتحول هذا الاستهداف نفسه إلى طبعة جديدة من الوعود التي تتقدم في المؤتمرات وتتراجع في التنفيذ.

