مبارك المطوع
محامي ومحكم دولي، نائب رئيس اتحاد الحقوقيين الدولي
في لحظات الهدوء الهش التي تعقب ضجيج الحروب، تتكشف للمتأملين معانٍ أعمق من مجرد وقف إطلاق النار أو إعادة تموضع القوى. فالتهدئة الجارية في الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءتها بوصفها نهاية صراع، بل باعتبارها طورًا من أطواره المتكررة، حيث تتداخل الإرادات السياسية بالمحددات التاريخية، وتتقاطع الحسابات القانونية مع الإيحاءات الدينية والرمزية.
إن هذه التهدئة، على هشاشتها، تعكس منطقًا قديمًا في إدارة النزاعات الدولية، حيث لا يكون السكون إلا استراحة محارب، ولا يكون الاتفاق إلا إعادة ترتيب لموازين القوة. فالقانون الدولي، رغم ما يحمله من قواعد ناظمة، يبقى في كثير من الأحيان رهينة الإرادة السياسية للدول الكبرى، التي تتعامل معه بانتقائية واضحة، فتُفعّله حين يخدم مصالحها، وتُعطّله حين يتعارض مع مشاريعها الاستراتيجية.
ومن زاوية قانونية بحتة، فإن ما يجري يطرح إشكاليات عميقة حول مفهوم الشرعية الدولية. فهل يمكن الحديث عن شرعية في ظل اختلال ميزان القوة؟ وهل يجوز استخدام القوة العسكرية تحت ذرائع وقائية أو استباقية دون تفويض دولي واضح؟ إن هذه الأسئلة لا تزال معلقة، وتكشف عن أزمة بنيوية في النظام الدولي، حيث تغيب العدالة ويحل محلها منطق الغلبة.
لكن قراءة المشهد لا تكتمل دون استحضار البعد التاريخي، إذ إن الصراع الحالي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتراكمات طويلة من التوترات الإقليمية والدولية. فمنذ عقود، والمنطقة تعيش على إيقاع صراعات متداخلة، تبدأ من التنافس الجيوسياسي ولا تنتهي عند حدود الصراع الأيديولوجي. وقد أثبت التاريخ أن مثل هذه التهدئات المؤقتة كثيرًا ما تكون مقدمة لجولات أكثر حدة، خاصة حين لا تُعالج الأسباب الجذرية للنزاع.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الديني بوصفه عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي، لا بوصفه مبررًا للصراع، بل كإطار لفهم التحولات الكبرى. وهنا يستحضر الذهن قول الله تعالى: "غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ". هذه الآية الكريمة لا تُقرأ فقط في سياقها التاريخي المتعلق بصراع الفرس والروم، بل تحمل دلالات أعمق تتعلق بسنن التداول بين الأمم، حيث لا تدوم الغلبة لطرف واحد، ولا تستقر موازين القوة على حال.
إن في هذه الإشارة القرآنية بعدًا سننيًا يُذكّر بأن الهزيمة ليست نهاية المطاف، كما أن النصر ليس حالة أبدية. وهذا المعنى ينسحب على واقعنا المعاصر، حيث تتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوى، ويصبح المستحيل ممكنًا في لحظة تاريخية فارقة. فالتهدئة الحالية، مهما بدت ثابتة، تظل محكومة بهذه السنن، التي تجعل من التاريخ حركة دائمة لا تعرف السكون.
ومن منظور إنساني، فإن أخطر ما في هذه الصراعات ليس فقط ما تخلفه من دمار مادي، بل ما تتركه من ندوب نفسية عميقة في وجدان الشعوب. فالحروب، حتى حين تتوقف مؤقتًا، تظل حاضرة في الذاكرة الجماعية، تغذي مشاعر الخوف والريبة، وتُعيد إنتاج العنف في صور مختلفة. ومن هنا، فإن أي تهدئة لا تُرافقها مصالحة حقيقية، ولا تُبنى على أسس عدالة شاملة، تبقى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
إن العالم اليوم في حاجة إلى إعادة تعريف مفهوم القوة، بحيث لا يُختزل في القدرة العسكرية، بل يمتد ليشمل القدرة على تحقيق السلام العادل. فالقوة الحقيقية ليست في فرض الأمر الواقع، بل في بناء نظام دولي قائم على احترام الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة.
يمكن القول إن التهدئة الهشة في هذا الصراع تعكس حالة من التوازن القلق، حيث لا غالب ولا مغلوب بشكل نهائي، بل صراع مفتوح على احتمالات متعددة. وبين القانون والتاريخ والدين والإنسان، تتشكل قراءة مركبة لهذا المشهد، تذكرنا بأن الحروب قد تتوقف، لكن أسبابها تبقى، وأن السلام الحقيقي لا يُصنع بالهدن المؤقتة، بل بإرادة صادقة تُعيد للإنسان مكانته في قلب المعادلة.
وفي الختام، تبرز ثلاث ملاحظات لا يجوز القفز عليها:
أولًا، لندع استدعاء ثنائية الفرس والروم، أو الغرب وإيران، جانبًا، فهذه المقاربات ـ على أهميتها الرمزية ـ قد تحجب عنا الحقيقة الأقرب: أن ساحات الصراع ليست مجرد خرائط نفوذ، بل أوطان مأهولة دفعت أثمانًا باهظة، وفي مقدمتها المجتمعات العربية.
ثانيًا، إن الثمن الإنساني الذي دُفع في الخليج اليوم، وقبله في لبنان وفلسطين، يكشف أن الخاسر الأكبر في معادلات التوازن الدولي ليس الأطراف المتصارعة مباشرة، بل الشعوب التي تُستنزف مواردها وتُرهق مجتمعاتها تحت وطأة صراعات لا تملك قرارها الكامل.
ثالثًا، وهي الأهم، أن الظلم ـ مهما تجمّل بشعارات الأمن أو تذرّع بمقتضيات السيادة ـ لا يصنع استقرارًا، ولا يؤسس سلامًا دائمًا؛ فالتاريخ، كما السنن، يؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى إلا على العدل، وأن ما يُؤخذ بالقوة يبقى مهددًا بالزوال، وأن اختلال الموازين قد يطول، لكنه لا يدوم.

