سجلت مصر بنهاية عام 2025 زيادة جديدة في الدين الخارجي، لتغلق السنة عند مستوى 163.9 مليار دولار بعد ارتفاع قدره نحو 198 مليون دولار في الربع الأخير وحده، مقارنة بـ163.7 مليار دولار في الربع الثالث.
وعلى مدار العام كله، زاد الدين الخارجي بنحو 8.8 مليار دولار قياسًا بمستواه البالغ 155.1 مليار دولار في نهاية 2024، في تطور يعيد ملف المديونية إلى صدارة المشهد الاقتصادي، ويضع رواية الحكومة عن “تحسن المؤشرات” تحت اختبار الأرقام نفسها.
وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطة الحديث عن إدارة منضبطة للدين، تكشف البيانات الرسمية أن الزيادة لم تتوقف، وأن عبء الالتزامات الخارجية ما زال يتحرك في اتجاه صاعد، حتى مع تكرار التصريحات الحكومية عن خفض النسب وتحسين الآجال وتقليل الكلفة.
جاء ذلك بالتوازي مع اتساع عجز الحساب الجاري خلال الربع الثاني من العام المالي 2025/2026 إلى 6.2 مليار دولار، مقابل 5 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة نسبتها 24%. وخلال النصف الأول من العام المالي نفسه، ارتفع العجز إلى 9.4 مليار دولار بعد أن كان 7.3 مليار دولار قبل عام.
هذه الأرقام تعني أن الضغط لم يعد متعلقًا فقط بحجم الدين القائم، بل بقدرة الاقتصاد نفسه على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي تكفي لتغطية الاحتياجات المتزايدة.
ولهذا تبدو الزيادة الجديدة في الدين، مع اتساع العجز الخارجي، جزءًا من أزمة واحدة لا من ملفين منفصلين.
زيادة الدين الخارجي تكشف استمرار الاعتماد على الاقتراض
وبحسب البيانات التي نشرتها وزارة التخطيط ونقلتها منصات اقتصادية اليوم، فإن الدين الخارجي المصري ارتفع إلى 163.9 مليار دولار بنهاية الربع الأخير من 2025، بعد أن كان 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، بما يعني أن الزيادة لم تتوقف حتى في نهاية السنة التي قدمتها الحكومة باعتبارها بداية مسار أفضل للمديونية.
كما أن المقارنة السنوية تكشف قفزة أكبر، إذ زاد الدين بنحو 8.8 مليار دولار عن مستواه في نهاية 2024.
كما أن تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الصادر في 17 يناير 2026 وضع هذه الزيادة في سياق أوسع، إذ قال إن نسبة الديون الخارجية إلى الناتج المحلي بلغت 44.2% في يونيو 2025، مقابل نحو 15% فقط في 2015، وربط هذا المسار بسياسات توسع في الاقتراض منذ 2016، لا بأزمات خارجية طارئة فقط.
وبحسب التقرير نفسه، فإن هذه السياسة أدخلت الدولة في حلقة سداد ديون بديون، ووسعت الإنفاق على خدمة الالتزامات على حساب أولويات اقتصادية واجتماعية أخرى.
في هذا السياق، قال فاروق سوسة، كبير الاقتصاديين في “غولدمان ساكس”، إن الدين حتى حين يكون ميسرًا فإنه يضيف ضغوطًا على ميزان المدفوعات، وإن اضطرار مصر إلى تدبير ما يقارب 6 مليارات دولار لسداد التزامات لصندوق النقد في 2025 كان مثالًا مباشرًا على هذا العبء.
هذا التقدير لم يكن وصفًا نظريًا، بل تلخيصًا لطبيعة الأزمة التي تجعل كل زيادة في الاقتراض الخارجي عبئًا جديدًا على موارد النقد الأجنبي.
ومن زاوية أخرى، قالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن فجوة التمويل الخارجي الكبيرة في مصر ما زالت مصدر قلق، وإن رفع ثقة المستثمرين وتدفقات رأس المال يحتاج إلى إصلاحات واسعة وملموسة. كما عادت مالك في مطلع 2025 لتقول إن توقعات النمو لا تلغي وجود تحديات واضحة، منها تشدد السياسة المالية وضعف مستويات الاستثمار.
وهذا يعني أن مشكلة الدين لا تُقاس فقط بحجمه، بل بضعف البيئة التي يفترض أن تولد الإيرادات اللازمة لخدمته.
اتساع العجز الجاري يعيد الضغط على مصادر النقد الأجنبي
وبالتوازي مع ارتفاع الدين، ارتفع عجز الحساب الجاري في الربع الثاني من العام المالي 2025/2026 إلى 6.2 مليار دولار، مقابل 5 مليارات دولار قبل عام، بينما صعد العجز خلال النصف الأول كاملًا إلى 9.4 مليار دولار مقارنة بـ7.3 مليار دولار في الفترة نفسها من العام المالي السابق.
هذه الأرقام تعكس تراجعًا في قدرة الاقتصاد على موازنة تدفقاته الخارجية، حتى مع وجود مصادر دخل تحسنت في بعض الفترات مثل التحويلات والسياحة.
في المقابل، ارتفع فائض الحساب المالي والرأسمالي بنسبة 33% خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري إلى 6.82 مليار دولار، مقارنة بـ5.1 مليار دولار في الربع نفسه من العام السابق.
لكن هذا التحسن الربع سنوي لم يصمد عند النظر إلى نصف السنة، إذ تراجع الفائض خلال النصف الأول إلى 6.5 مليار دولار بعد أن كان 8.9 مليار دولار، أي بانخفاض نسبته 27%.
وهذا التراجع يوضح أن تدفقات التمويل لم تعد تعوض الخلل الخارجي بالوتيرة نفسها.
كما أن صندوق النقد قال في تقريره عن المراجعة الرابعة لبرنامج مصر إن التقدم في الإصلاحات الهيكلية كان مختلطًا، وإن استمرار هيمنة القطاع العام والشركات التابعة للدولة والجيش يضعف كفاءة الاقتصاد ويحد من نمو القطاع الخاص.
وأضاف الصندوق أن نموذج النمو القائم على المشروعات العامة والاستثمار الحكومي يقلص خلق الوظائف ويترك الاقتصاد أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية.
هذه الملاحظات تفسر لماذا يستمر العجز الخارجي حتى عندما تتحسن بعض البنود المؤقتة.
ومن هذا الباب، قال هاني توفيق في مقابلة مع “العربية بزنس” في 28 يناير 2026 إن عجز مصر الخارجي يبدو تحت السيطرة نسبيًا، لكنه اعتبر أن الخطر الحقيقي لا يختفي مع ذلك، لأن بنية المديونية والاختلالات الأوسع لا تزال قائمة.
أهمية هذا التقدير أنه يفرق بين التحسن الجزئي في بعض المؤشرات، وبين زوال أصل المشكلة التي تدفع الدولة إلى الاستدانة المتكررة كلما ضاقت مواردها الخارجية.
الحكومة تعلن الخفض وتستعد لإصدار سندات جديدة
ومن جهة الحكومة، قال وزير المالية أحمد كجوك لـ“العربية بزنس” إن مصر تعتزم طرح سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار خلال العام المالي المقبل، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسنًا قويًا في معدلات الدين وخدمته وآجاله.
كما أعلن الوزير استهداف خفض معدل دين أجهزة الموازنة إلى الناتج المحلي إلى 78% بحلول يونيو 2027، وخفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنحو 2 مليار دولار سنويًا، وتقليص الاحتياجات التمويلية على المدى المتوسط.
لكن هذا الإعلان يأتي بعد سلسلة سابقة من التحركات في الاتجاه نفسه، إذ قال كجوك في أبريل 2025 إن مصر تخطط لإصدار صكوك بقيمة 2 مليار دولار خلال ذلك العام، ثم عاد الحديث في 2025 و2026 عن طروحات دين دولية تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار.
لذلك يبدو أن الحكومة تواجه أزمة الدين بإعادة تدوير أدوات الاقتراض نفسها، حتى وهي تكرر أنها تستهدف خفض المديونية. وهذا التناقض بين الرسالة السياسية وأداة التمويل يظل حاضرًا في كل تعهد رسمي جديد.
كما قال الوزير إن الدولة تستهدف خفض فاتورة خدمة الدين إلى 35% من مصروفات الموازنة على المدى المتوسط، وإنها ستوجه أي إيرادات استثنائية إلى خفض الدين ونسبته إلى الناتج المحلي، مع تنويع مصادر التمويل المحلية والدولية والتوسع في التمويلات الميسرة، والاستمرار في إصدار سند المواطن والصكوك وأدوات أخرى جديدة.
غير أن اتساع العجز الخارجي وارتفاع الدين خلال 2025 يجعلان هذه الأهداف حتى الآن وعودًا سياسية أكثر من كونها نتائج متحققة على الأرض.
وفي السياق نفسه، حذر صندوق النقد في يوليو 2025 من أن الدين الخارجي المصري مرشح للارتفاع من 162.7 مليار دولار في 2024/2025 إلى 202 مليار دولار بحلول 2029/2030، وقال إن الدين العام يفرض مخاطر مرتفعة على الاستقرار السيادي.
كما أظهرت تقديرات “ستاندرد آند بورز” في فبراير 2026 أن مصر تمثل ما يقارب ثلث مدفوعات الدين الخارجي الحكومية المستحقة على القارة الأفريقية هذا العام، مع نحو 27 مليار دولار من أصل الدين الواجب سداده.
هذه الأرقام تضع الخطاب الحكومي عن “الاطمئنان” في مواجهة مباشرة مع صورة أكثر قسوة ترسمها المؤسسات الدولية.
وهكذا تنتهي أرقام نهاية 2025 إلى نتيجة واحدة واضحة، وهي أن الدين الخارجي ارتفع، وأن عجز الحساب الجاري اتسع، وأن فائض الحساب المالي والرأسمالي تراجع على مستوى النصف الأول، بينما تستعد الحكومة لاقتراض جديد تحت عنوان تحسين الإدارة وخفض النسب.
هذا المسار لا يقدم حتى الآن دليلًا على تغيير حقيقي في جوهر السياسة الاقتصادية، بل يوثق استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي لسد اختلالات لم تُعالج من أساسها، في وقت تتراكم فيه الاستحقاقات وتضيق فيه مساحة المناورة أمام الدولة والمجتمع معًا.

