تحركت سلطة الانقلاب من جديد في ملف تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد بعد موجة جدل واسعة صاحبت النقاشات العامة خلال الأسابيع الأخيرة، لكن التوقيت نفسه فتح بابًا أوسع للتساؤل أكثر مما أغلقه. ففي يوم 13 أبريل 2026 خرجت تقارير برلمانية وإعلامية تتحدث عن توجيهات من عبد الفتاح السيسي بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، بينما كانت تقارير منشورة قبل ذلك بأسابيع قليلة تؤكد أن الحكومة لم تكن قد أرسلت أصلًا مشروع القانون إلى مجلس النواب بعد سحب المشروع السابق من الفصل التشريعي الماضي. هذا التناقض الزمني لا يكشف فقط بطء السلطة في إدارة الملف، بل يكشف أيضًا أن النظام أعاد تقديم أزمة قديمة باعتبارها إنجازًا جديدًا بمجرد تحريكها إعلاميًا من جديد.
تضع هذه الوقائع تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر داخل سياق سياسي واضح لا يمكن فصله عن طريقة حكم السيسي للملفات الاجتماعية الحساسة. فالنظام الذي ترك الأزمة تتراكم منذ توجيه رئاسي سابق في 2022 بتشكيل لجنة لإعداد مشروع قانون للأحوال الشخصية عاد الآن ليقدم إعادة فتح الملف باعتبارها استجابة حاسمة، رغم أن الصحفية صفاء عصام الدين وثقت في 13 أبريل 2026 غياب الإجابة الحكومية الواضحة واستمرار الصمت الرسمي حول مسار المشروع الحقيقي. لذلك فإن القضية لم تعد مجرد خلاف قانوني حول الحضانة أو النفقة أو الرؤية، بل أصبحت دليلًا موثقًا على أن السلطة تتدخل متأخرة ثم تسعى إلى احتكار صورة الحل بعد سنوات من التأجيل والارتباك وسحب المشروعات وتجميدها.
سنوات التأجيل قبل الإحالة تكشف إدارة مرتبكة للملف
بدأت أزمة الثقة في هذا الملف عندما أكدت مصادر برلمانية يوم 17 مارس 2026 أن أي مشروع قانون بشأن الأحوال الشخصية لم يكن قد وصل من الحكومة إلى مجلس النواب، وأن الحكومة كانت قد سحبت مشروع القانون السابق المقدم في الفصل التشريعي الماضي. هذا المعطى مهم لأنه يثبت أن الحديث عن قانون جاهز وحاسم لم يكن قائمًا على مسار تشريعي مكتمل، بل على حالة انتظار طويلة امتدت لسنوات من دون ترجمة سياسية أو برلمانية جادة.
ثم جاء يوم 13 أبريل 2026 ليحمل رواية جديدة تقول إن وزارة العدل لديها مشروع قانون جاهز وإن إحالته إلى البرلمان باتت متوقعة في أقرب وقت بعد توجيهات السيسي. هذا الانتقال السريع من غياب المشروع إلى الحديث عن قرب الإحالة يعكس خللًا في طريقة إدارة الدولة للملف، لأن السلطة لم تشرح للرأي العام لماذا تأخر القانون أصلًا، ولا كيف سحبت الحكومة مشروعًا سابقًا ثم عادت لتطرح خطابًا سياسيًا يوحي بأن الأزمة وليدة اللحظة.
وفي هذا السياق أضاف الفقيه الدستوري صلاح فوزي في 13 أبريل 2026 أن مصلحة الصغير هي المبدأ الحاكم في قوانين الأسرة الجديدة، وأن البرلمان سيبحث المقترحات بعناية. غير أن أهمية هذا التصريح لا تلغي حقيقة أساسية، وهي أن المبدأ المعلن شيء والمسار التنفيذي شيء آخر. فلو كانت مصلحة الطفل حاكمة فعلًا منذ البداية، لما بقيت الأسر عالقة كل هذه السنوات بين وعود حكومية متكررة ومشروع قانون مؤجل ثم مسحوب ثم معاد تدويره سياسيًا.
حقوق النساء بين خطاب الحماية وواقع قانوني مطعون فيه
انتقل الجدل بعد ذلك من سؤال التوقيت إلى سؤال المضمون، لأن السلطة تحاول تسويق تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر باعتبارها مسارًا لحماية الأسرة كلها، بينما تؤكد أصوات قانونية وحقوقية أن البنية القائمة نفسها ما زالت موضع طعن عميق. وقد قالت المحامية نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، إن قانون الأحوال الشخصية يلغي شخصية المرأة ويحتاج إلى إعادة نظر، وهو توصيف مباشر يكشف حجم الاعتراض على المنظومة القانونية التي تدير بها الدولة هذا الملف منذ سنوات.
ثم يزداد التناقض وضوحًا عندما يكرر الخطاب الرسمي والبرلماني أن الهدف هو تحقيق التوازن بين جميع الأطراف مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وإنشاء صندوق دعم الأسرة. فهذه العبارات العامة لا تجيب وحدها عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالولاية والنفقة وسرعة التقاضي والسلطة التقديرية للمحاكم وضمانات تنفيذ الأحكام. لذلك تبدو السلطة هنا منشغلة بصناعة عنوان سياسي مريح أكثر من انشغالها بتفسير كيف ستعالج مواد القانون أوجه الخلل التي اشتكت منها النساء والأسر لسنوات طويلة.
وبناء على ذلك فإن حباية السيسي ونظامه في تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد لا تظهر فقط في تبني الملف إعلاميًا في توقيت محسوب، بل تظهر أيضًا في محاولة احتكار صفة المنقذ رغم أن الانتقادات الجوهرية للقانون القائم معروفة منذ سنوات. فحين تقول نهاد أبو القمصان إن القانون يلغي شخصية المرأة، وحين تظل الحكومة تؤجل الإحالة ثم تعود بخطاب احتفالي عن العدالة، فإن التوثيق نفسه يكشف أن المشكلة ليست في نقص الشعارات بل في غياب الإرادة السياسية لإقرار نص عادل وواضح ومعلن للرأي العام.
المسيحيون وصندوق الأسرة وتعدد المسارات تحت قبضة السلطة
اتسع الملف في الأيام الأخيرة ليشمل مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين أيضًا، حيث كشف المستشار يوسف طلعت في 14 أبريل 2026 عن تغييرات جوهرية في نظامي الخطوبة والزواج بعد توافق الكنائس المصرية على المشروع المنتظر مناقشته في مجلس النواب. كما أوضح قبل ذلك بأيام أن المشروع انتقل إلى وزارة العدل تمهيدًا لعرضه على البرلمان، وأنه يتضمن بابًا كاملًا للنفقات بما يضمن حماية المرأة والطفل. هذه الوقائع توضح أن السلطة اختارت جمع ملفات متعددة في لحظة سياسية واحدة لتقديمها في صورة حزمة متكاملة.
لكن هذا التوسع نفسه يفتح بابًا جديدًا للنقد، لأن النظام لا يقدم للرأي العام حتى الآن نصًا نهائيًا جامعًا ومعلنًا لكل التفاصيل، بل يكتفي بتسريبات وتصريحات متفرقة حول الحضانة والنفقة والخطوبة والزواج وصندوق دعم الأسرة. وقد نشرت وسائل إعلام في 13 و14 أبريل 2026 أن التوجيهات الرئاسية تشمل قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين مع صندوق دعم الأسرة، بينما طرحت رئيسة لجنة التضامن الاجتماعي راندا مصطفى آلية لتمويل الصندوق عبر استقطاع شهري من راتب الزوج. وهنا يتحول السؤال من الحماية إلى التمويل ومن العدالة إلى الجباية ومن الإصلاح إلى عبء جديد قد يفرض من أعلى من دون نقاش مجتمعي كاف.
وأخيرًا فإن المشهد كله يكشف أن السلطة لا تتعامل مع تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر باعتبارها استحقاقًا تشريعيًا متأخرًا فقط، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب صورتها السياسية في ملف اجتماعي شديد الحساسية. غير أن التوثيق المتاح حتى 14 أبريل 2026 يقول بوضوح إن هناك مشروعًا سُحب ثم تأخر، وصمتًا حكوميًا استمر، وخطابًا رسميًا عاد فجأة ليتصدر، وخبراء قانونيين وحقوقيين ما زالوا يلفتون إلى عيوب جوهرية في المنظومة. لذلك فإن أي قانون يخرج من هذا المسار من دون شفافية كاملة ونقاش علني واسع سيبقى قانونًا محمولًا على إرادة السلطة أكثر مما هو محمول على عدالة التشريع وحقوق الأسرة.
خاتمة
تكشف هذه الوقائع مجتمعة أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر لم تولد من مسار تشريعي مستقر وواضح، بل خرجت من قلب ارتباك سياسي امتد لسنوات ثم جرى تغليفه بخطاب استعجال مفاجئ. لذلك فإن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بما إذا كان السيسي ونظامه يريدان تعديل القانون، بل تتعلق بكيفية إدارة الملف أصلًا وبحق المجتمع في معرفة النصوص قبل تمريرها وبحق النساء والأطفال والآباء في قانون لا تصوغه السلطة على مقاس صورتها السياسية. وعندما تتقدم الدولة في هذا الملف بعد كل هذا التأخير ثم تطلب من الجميع التصفيق للخطوة نفسها، فإن التوثيق وحده يكفي ليقول إن الأزمة لم تكن في نقص التوجيهات، بل في حكم يؤجل ثم يحتكر ثم يطلب الثقة من جديد.
المصادر المعتمدة في هذا التقرير تشمل تغطيات منشورة في 17 مارس و13 و14 أبريل 2026 عن مسار مشروع القانون داخل البرلمان والحكومة، إلى جانب تصريحات صلاح فوزي ونهاد أبو القمصان ويوسف طلعت، وتقارير عن صندوق دعم الأسرة ومسار قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

