على الرغم من بشاعة الحادثة التي راح ضحيتها سبع فتيات داخل مصنع للأحذية بمنطقة الزاوية الحمراء بالقاهرة، جراء اشتعال النيران فيه، إلا أن الاهتمام الإعلامي الذي حظين به "شهيدات لقمة العيش" يبدو أقل إلى حد بعيد كبير من حادثة انتحار سيدة بالإسكندرية التي أثارت ولا زالت موجة واسعة من الجدل في مصر.
فقد غاب الاهتمام حد التجاهل التام من "النسويات" اللواتي ملأن الدنيا ضجيجًا في أعقاب انتحار الموديل بسنت سليمان، وسط مطالبات بتعديل قانون الأحوال الشخصية، دون أن يلتفتن في المقابل إلى فتيات أخريات كن يكافحن بشرف لكسب "لقمة العيش"، أو يطالبن بتحسين أوضاع العمالة في مصر، ورفع أجورهم بما يضمن لهم حياة كريمة، أو على الأقل يستطيعون مواجهة موجات الغلاء المتتالية.
الفاجعة التي شهدها شارع محمد أمين بمنطقة الزاوية الحمراء بالقاهرة، تعكس أوضاع فتيات كثيرات في مصر يسعين بجد واجتهاد لكسب ما يعينهن ويعين أسرهن على تجهيزهن لبيت الزوجية، لكن الموت كان أسبق لهن، وخطفهن قبل أن يحققن حلمهن في الزواج والاستقرار.
100 جنيه في اليوم
الفتيات اللواتي في عمر الزهور كان إجمالي ما يحصلن عليه في اليوم الواحد مائة جنيه، وهو أجر زهيد للغاية، إذا ما قورن بطبيعة عملهن في مصنع للأحذية، ناهيك عن الارتفاعات القياسية في الأسعار، التي تجعل مبلغًا كهذا لا قيمة له في الواقع.
يروى شهود عيان وزملاء للضحايا في تصريحات صحفية، أن بعضهن كن يخططن لشراء مستلزمات "الشبكة" أو "الجهاز" خلال الأسابيع القادمة، لكن بدلاً من زفهن إلى بيوت الزوجية، نُقلت جثامينهن وسط نحيب الأهالي إلى مستشفى الزيتون التخصصي ومستشفى المطرية، بانتظار تحاليل البصمة الوراثية (DNA) لفك لغز الهوية الذي طمسه الحريق.
الحادث جاء بعد أيام فقط من اشتعال النار في مصنع ملابس داخل مصنع ومخزن ملابس بمنطقة سرايا القبة. الحريق، الذي اندلع في الدور الأرضي لعقار سكني مكوّن من 12 طابقًا، أدى إلى كارثة إنسانية، بعدما أسفر عن مصرع تسعة أشخاص وإصابة 17 آخرين، معظمهم من العاملين بالمصنع.
صمت هنا وضجيج هناك
في الحادثين الأخيرين، على الرغم من أن معظم الضحايا فيها من الفتيات إلا أنه بدا واضحًا للعيان التجاهل التام من "النسويات" اللواتي لا يتوقفن عن الصراخ والضجيج في حوادث أخرى، بغرض الاتجار بها إعلاميًا، كما هو الحال في حادثة الانتحار الأخيرة بالإسكندرية، وهو ما يعكس "انتهازية" اللواتي يطالبن بالعدالة للنساء، ويتصدرن المشهد للمطالبة بحقوقهن، أو تحسين أوضاعهن الحياتية.
وهذا ما يجعل الحديث عن حادثة "بسنت سليمان" التي أوقف النائب العام النشر فيها، لا يحظى بالمصداقية لدى الكثيرين، بعد أن سعت "النسويات" إلى إبرازها كضحية لقانون الأحوال الشخصية، متجاهلين حوادث مماثلة راح ضحيتها رجال أقدموا على الانتحار بسبب ظروف ومشاكل حياتية ومادية.
تستحق "بسنت" التعاطف بكل تأكيد، لكن ألا تستحق الفتيات "شهيدات لقمة العيش" تعاطفًا مماثلاً، أو يسارع المجلس القومي للمرأة إلى إصدار بيان ينعى فيه الضحايا، ويعبر لأسرهن عن مشاطرتهن الآلام، أم المتاجرة الإعلامية تبقى هي المحرك والدافع ولا شيء سواه.

