تعود قضية مياه النيل إلى صدارة المشهد المصري مع اتساع الجدل حول سد كويشا الذي تواصل إثيوبيا تشييده باعتباره ثاني أكبر مشروع كهرومائي لديها بعد سد النهضة، في لحظة سياسية شديدة الحساسية تكشف مقدار الانكشاف الرسمي في ملف الأمن المائي. وتؤكد البيانات المعلنة من الجانب الإثيوبي أن المشروع يقع على نهر أومو وليس على مجرى النيل، لكن هذا التفصيل الجغرافي لم ينه القلق داخل مصر، لأن القاهرة لا تواجه مشروعًا منفصلًا بقدر ما تواجه نمطًا ممتدًا من القرارات الأحادية التي راكمتها أديس أبابا خلال سنوات التفاوض العقيم. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المصريون تحركًا واضحًا يحمي حقوقهم التاريخية، تبدو السلطة منشغلة بإدارة ملفات خارجية متعددة من دون أن تقدم للرأي العام حصيلة مقنعة في أخطر ملف وجودي يتعلق بالمياه والغذاء والزراعة ومستقبل ملايين المواطنين.
تزداد حدة الأزمة لأن الإعلان الإثيوبي عن تقدم العمل في سد كويشا جاء بعد أشهر من افتتاح سد النهضة رسميًا في سبتمبر 2025، وهو ما رسخ في القاهرة انطباعًا بأن الدولة الإثيوبية لا تتعامل مع ملف المياه باعتباره مجالًا للتنسيق الإقليمي، بل باعتباره أداة سيادية تفرض بها موازين جديدة على الأرض ثم تطلب من الآخرين التكيف معها. وتوضح تقارير دولية أن مصر ما زالت تتمسك باتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل سد النهضة، بينما تواصل إثيوبيا رفض هذا المسار والتمسك بمنطق الأمر الواقع. ومن هنا لا تبدو خطورة كويشا في أثر مباشر على حصة مصر من النيل بقدر ما تبدو في الرسالة السياسية التي يحملها، وهي أن السلطة في القاهرة لم تنجح حتى الآن في وقف المسار الإثيوبي المتصاعد أو حتى في فرض تكلفة سياسية حقيقية عليه.
توقيت كويشا يفتح ملف الإخفاق الرسمي في حماية النيل
يكشف الإعلان الإثيوبي أن مشروع كويشا وصل إلى نحو 71% من الإنجاز خلال أغسطس 2025، مع قدرة توليد معلنة تبلغ 1800 ميغاواط، ثم تحدثت وسائل إثيوبية لاحقًا عن تقدم إضافي في الأعمال خلال أكتوبر 2025. وتؤكد هذه الأرقام أن أديس أبابا تتحرك وفق جدول تنفيذي واضح، بينما لا تقدم القاهرة جدولًا سياسيًا مماثلًا يوضح ماذا حققت بعد سنوات من التحذير والخطابات.
ثم إن موقع السد على نهر أومو، الذي يصب في بحيرة توركانا داخل كينيا، يحسم نقطة فنية أساسية تتعلق بعدم وجود أثر مباشر على حصة مصر من مياه النيل من هذا المشروع تحديدًا. وقد قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إن سد كويشا لا يقع على روافد النيل، ولذلك لا يمثل تهديدًا مباشرًا للحصة المصرية.
لكن هذا التوضيح الفني لا يبرئ السلطة من المساءلة السياسية، لأن الخطر الحقيقي يتمثل في استمرار النهج الإثيوبي نفسه الذي تجاهل الاعتراضات المصرية في ملف سد النهضة ثم واصل التوسع في مشروعات مائية كبرى من دون أي اكتراث بحجم التوتر الإقليمي. ولذلك فإن الجدل حول كويشا يعيد فتح ملف الفشل الرسمي في ردع سياسة فرض الأمر الواقع.
وبعد ذلك يصبح السؤال داخل مصر أكثر حدة من السؤال الفني نفسه، لأن الشارع لا يناقش فقط هل يؤثر كويشا مباشرة على النيل أم لا، بل يناقش لماذا بقيت الدولة في موقع رد الفعل بينما استطاعت إثيوبيا أن تستكمل سد النهضة وتعلن التقدم في مشروع جديد وتثبت أن كلفتها السياسية ما زالت محدودة. هذا هو جوهر الأزمة الذي يتقدم على أي تفصيل آخر.
كما أن ربط الملف بانشغال عبدالفتاح السيسي بوساطات وأزمات خارجية لم يعد مجرد انتقاد معارض، بل أصبح نتيجة سياسية يفرضها تسلسل الوقائع. فبينما كانت الرئاسة المصرية تتحدث عن تحركات إقليمية ودولية واسعة، كانت أديس أبابا تنتقل من إنجاز إلى آخر في ملف المياه الذي يفترض أنه ملف الأمن القومي الأول بالنسبة إلى مصر.
وعلى هذا الأساس، لا يظهر سد كويشا باعتباره خطرًا مائيًا مباشرًا على القاهرة، لكنه يظهر باعتباره شاهدًا جديدًا على اختلال موازين الضغط والتفاوض. وهذا الاختلال هو الذي يجعل أي إعلان إثيوبي جديد مادة فورية للقلق داخل مصر، لأن السلطة لم تنجح حتى الآن في بناء ثقة عامة بأن حقوق المياه صارت محمية بالفعل.
سد النهضة يبقى الخطر المباشر بينما كويشا يفضح المسار الإثيوبي
تؤكد التقارير الدولية أن الخطر المباشر على مصر لا يزال مرتبطًا بسد النهضة الذي افتتحته إثيوبيا رسميًا في سبتمبر 2025، وسط اعتراض مصري صريح اعتبر التشغيل الأحادي مخالفة للقانون الدولي وتهديدًا للاستقرار في حوض النيل الشرقي. ولذلك فإن أي تغطية مهنية لملف كويشا يجب أن تضعه داخل هذا السياق الأوسع لا خارجه.
وفي هذا السياق قال الدكتور محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، إن سد كويشا لا يؤثر على مصر لأنه خارج حوض النيل، لكنه يعكس استمرار إثيوبيا في التوسع السدي بما يكرس قلق دول الجوار من السلوك المائي الإثيوبي. ويعني ذلك أن القاهرة لا تواجه أزمة هندسية منفصلة، بل أزمة سياسة إقليمية ممتدة.
ثم إن استمرار القاهرة في الحديث عن الحقوق التاريخية من دون انتزاع اتفاق ملزم يضعف الموقف المصري أمام الداخل قبل الخارج. فقد نقلت وكالة رويترز ووسائل دولية أخرى أن مصر ظلت تطالب باتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، بينما واصلت إثيوبيا الرفض وأكملت المشروع وافتتحته رسميًا من دون تسوية.
وبالتوازي مع ذلك، أظهرت وقائع خريف 2025 أن تشغيل السد الإثيوبي ظل مصدر توتر حقيقي بعد ارتفاعات مائية أثارت نزاعًا جديدًا بين الأطراف، وهو ما زاد المخاوف المصرية والسودانية بشأن غياب الشفافية المسبقة في إدارة الإطلاقات المائية. هذه الوقائع جعلت الحديث عن المخاطر المحتملة أكثر التصاقًا بالوقائع لا بالمبالغات.
لذلك فإن السلطة حين تحاول تقديم كويشا باعتباره ملفًا ثانويًا منفصلًا، فإنها تتجاهل أن الرأي العام يقرأ المشهد كوحدة واحدة. فإثيوبيا أنجزت سد النهضة ومضت في كويشا، بينما لم تحصل مصر على الآلية القانونية التي طالبت بها ولا على الضمانات التشغيلية التي تحفظ حصتها وقت الجفاف والسنوات الحرجة.
ومن هنا تتصل قضية حماية الرقعة الزراعية بما هو أبعد من اسم السد الجديد، لأن القطاع الزراعي المصري يعتمد على استقرار التدفقات المائية وإدارة الجفاف والتنبؤ بالتشغيل upstream، وكل ذلك لا يزال معلقًا في ظل غياب الاتفاق. ولذلك فإن أي خطاب رسمي يهوّن من الأزمة يفقد صدقيته بمجرد مراجعة ما جرى منذ 2011 حتى افتتاح السد في سبتمبر 2025.
الخبراء يوثقون الأزمة والشارع ينتظر قرارًا لا خطابًا
يوثق الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن جوهر الموقف المصري ظل قائمًا على المطالبة باتفاق قانوني وملزم، وأن التعنت الإثيوبي ورفض الوساطات الدولية الفعالة عطلا الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ. وتكتسب هذه الشهادة وزنها لأنها تصدر عن باحث متخصص في قضايا المياه وحوض النيل.
وبناء على ذلك، لم يعد الخلاف في مصر حول توصيف الأزمة بل حول جدوى الأدوات التي استخدمتها السلطة طوال السنوات الماضية. فالمفاوضات الطويلة لم تمنع الملء ولا الافتتاح الرسمي ولا استمرار الخطاب الإثيوبي الذي يعتبر كل مشروع جديد حقًا سياديًا غير قابل للتقييد بموافقة دول المصب. وهذه حصيلة سياسية لا يمكن تجميلها.
ثم إن عرض الوساطة الأمريكية مجددًا في يناير 2026 أعاد تأكيد أن الملف لم يغلق وأن القاهرة ما زالت تبحث عن مخارج دولية بعد أن فرضت إثيوبيا وقائعها الأساسية بالفعل. وهذه النقطة بالذات تفسر لماذا ينظر كثيرون داخل مصر إلى كل مشروع إثيوبي جديد باعتباره تذكيرًا بفشل سابق لم تتم معالجته.
كما أن الشارع المصري لا ينتظر من السلطة إعادة تدوير اللغة الدبلوماسية نفسها، بل ينتظر نتيجة قابلة للقياس في ملف المياه. فحين تستمر إثيوبيا في بناء السدود الكبرى وتقديمها بوصفها عنوانًا للاستقلال والطاقة، بينما تكتفي القاهرة بالاعتراضات والرسائل، يصبح الغضب الداخلي مفهومًا ومتصلاً مباشرة بسجل الوقائع.

