تتواصل ردود الفعل السياسية والحقوقية في تونس عقب صدور أحكام قضائية وُصفت بالمشددة بحق رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وعدد من قيادات ونشطاء الحركة، في القضية المعروفة إعلاميًا باسم “المسامرة الرمضانية”، حيث فجّرت الأحكام الصادرة موجة واسعة من التنديد والرفض داخل الأوساط السياسية والمدنية.
وكانت محكمة تونسية قد أصدرت، حكمًا يقضي بسجن الغنوشي لمدة 20 عامًا بتهم تتعلق بـ“التآمر على أمن الدولة”، في القضية المرتبطة بندوة سياسية نظمت قبل سنوات ضمن إطار نشاطات سياسية عامة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعًا حول طبيعة التهم وسياقها القانوني والسياسي.
في هذا السياق، عبّرت قوى سياسية ومنظمات حقوقية عن رفضها الشديد لهذه الأحكام، معتبرة أنها تمثل تصعيدًا خطيرًا في مسار التعامل مع الخصوم السياسيين عبر القضاء.
وأكدت “جبهة الخلاص الوطني” في بيان لها أن ما جرى “لا يمكن فصله عن مسار متواصل لتوظيف القضاء في تجريم العمل السياسي السلمي”، محذرة من تداعيات ذلك على مستقبل الحريات العامة في البلاد.
وأضافت الجبهة أن خطورة هذه الأحكام لا تكمن فقط في شدتها، بل في دلالاتها السياسية، معتبرة أنها تعكس “تراجعًا مقلقًا في ضمانات المحاكمة العادلة واتساع دائرة استهداف الفاعلين السياسيين والمعارضين”، على حد تعبيرها.
كما شددت على أن استمرار هذا النهج من شأنه أن يفاقم حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي، ويقوّض أسس الحياة الديمقراطية.
ودعت الجبهة إلى الإفراج عن جميع الموقوفين على خلفية قضايا ذات طابع سياسي، ووقف ما وصفته بتوظيف القضاء في الصراعات السياسية، مطالبة بفتح مسار وطني يضمن حماية الحريات الأساسية وحرية التعبير والتنظم، ويعيد الاعتبار للمسار الديمقراطي في البلاد.
من جانبها، أصدرت حركة النهضة بيانًا شديد اللهجة طالبت فيه بالإفراج الفوري عن رئيسها راشد الغنوشي، معتبرة أن ما يتعرض له يأتي في سياق “محاكمة سياسية تستهدف الرأي المخالف”.
وأشارت الحركة إلى أن مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاعتقال التعسفي سبق أن اعتبرت احتجازه غير قانوني ويكتسي طابعًا تعسفيًا، وفق تعبيرها.
وأكدت الحركة أن الوقائع التي بُنيت عليها القضية تتعلق بنشاط سياسي علني وندوة حضرها ممثلون عن قوى معارضة، مضيفة أن مضمونها كان يدعو إلى التوافق الوطني ونبذ العنف، وليس إلى أي نشاط مخالف للقانون كما ورد في الاتهامات.
كما اعتبرت النهضة أن استخدام تهم تتعلق بـ“التآمر على أمن الدولة” في سياق تصريحات ومواقف سياسية يمثل انحرافًا خطيرًا في مسار العدالة، ويهدف إلى التضييق على المجال العام وترهيب المعارضين، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متصاعدة تشهدها البلاد.
وفي موقف مماثل، دعا “مرصد الحرية لتونس” إلى الإفراج الفوري عن الغنوشي وبقية الموقوفين، مطالبًا بتمكينهم من محاكمة في حالة سراح، وإسقاط التهم التي وصفها بأنها تستند إلى مواقف وتصريحات سياسية دون وجود أفعال مادية تُجرّم قانونًا.
كما طالب المرصد بفتح تحقيق مستقل في ما وصفه بإخلالات إجرائية شابت مراحل التحقيق، مع ضرورة ضمان حقوق الدفاع بشكل كامل، بما في ذلك حضور المحامين في جميع مراحل التقاضي، ووقف ما اعتبره “توسعًا في توظيف تهم التآمر لتجريم التعبير السياسي”.

