عبّر خبراء عن مخاوفهم من من إحكام إسرائيل قبضتها على مصر، من خلال الهيمنة على ملف الطاقة والغاز، عقب الاتفاق على تصدير إنتاج حقل "أفروديت" القبرصي في البحر المتوسط إلى مصر، بقيمة 10 مليارات دولار ولمدة 15 عامًا.

 

وأثارت تفاصيل العقد، الذي يشمل مد خط أنابيب بحري بطول (280–300 كم) لربط الحقل، الذي تُقدّر احتياطياته بنحو 3.7 تريليون قدم مكعبة، بمحطات الإسالة في مصر، قلق مراقبين، بخاصة مع الكشف عن أن إحدى الشركات المشغلة للحقل، والتي تمتلك نسبة 30 بالمائة منه، هي "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية، ومقرها تل أبيب.

 

وتمتلك الشركة ذاتها حصة مؤثرة تبلغ 45.34 بالمئة من حقل "ليفياثان"، الذي يجري تصدير إنتاجه إلى مصر، وفق اتفاقية أقرها الجانب الإسرائيلي في ديسمبر الماضي، بقيمة 35 مليار دولار، لتوريد 130 مليار قدم مكعب من الغاز حتى عام 2040.

 

هيمنة إسرائيل على وارادات الغاز الطبيعي لمصر

 

ويقول الخبراء المعارصون للاتفاق، إنهم يخشون من  أن يعزز ذلك هيمنة إسرائيل على وارادات الغاز الطبيعي لمصر، بما يضر بالأمن القومي، بعد أن ظهرت سيطرتها في أكثر من مناسبة، بقرار وقف إمدادات الغاز إلى مصر (البالغة نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا) خلال حرب غزة (2023–2025)، ولمدة 35 يومًا أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

 

وأعلنت "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية توقيع مذكرة شروط ملزمة مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) الحكومية، وشركاء الحقل وهم: "نيوميد إنرجي" (30 بالمائة)، و"شيفرون قبرص" (35 بالمائة)، و"بي جي قبرص – شل" (35 بالمائة).

 

وبجانب ذلك، جرى توقيع اتفاقية أخرى لإنشاء خط أنابيب بحري بطول (280–300 كم) لنقل الغاز، بتكلفة ملياري دولار، يربط الحقل بالسواحل المصرية، تتحملها قبرص منفردة، وفق ما أُعلن في فبراير الماضي، مقابل الاستفادة من البنية التحتية للإسالة في مصر.

 

ويقول الخبراء إن "قطع إسرائيل إمدادات الغاز عن مصر أربك الحسابات الحكومية في ملف الطاقة، وضاعف قيمة الميزانية المخصصة لاستيراد الغاز، ودفع البلاد إلى قرارات تقشف واسعة ورفع أسعار الوقود بجميع أنواعه بين 14 و30 بالمئة، ما تبعه زيادة في أسعار السلع والخدمات، وفاقم معدلات التضخم في البلاد".

 

مشروع متواضع

 

وأوضح الكاتب الصحفي ناجي عباس أن الاتفاقية التي تشمل كامل إنتاج حقل "أفروديت" "إيجابية وبالاتجاه الصحيح، لكنها مشروع متواضع"، ملمحًا إلى أن الإنتاج الفعلي لن يبدأ قبل عام 2031، وأن قرار الاستثمار النهائي متوقع في 2027. 

 

وأضاف أن الدافع الأساسي للاتفاقية هو أن مصر أصبحت مستوردًا صافيًا للغاز بعد ارتفاع الطلب المحلي وتراجع الإنتاج، وليس التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، مؤكدًا أن الاتفاقية مع قبرص، على غرار اتفاقيتها مع "إسرائيل"، قائمة على مبدأ "Take or Pay"، وهو التزام مالي ثقيل.

 

وفي فبراير 2003، وقعت مصر في عهد حسني مبارك اتفاقية ترسيم الحدود البحرية (المنطقة الاقتصادية الخالصة)، بينما توجه المعارضة المصرية، ولقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الذي وقع اتفاقية مع قبرص عام 2013، اتهامات بالتفريط في المياه الإقليمية وخسارة حقول غاز يُعتقد أنها كانت ضمن النطاق المصري، منها "أفروديت".

 

استجواب لوزير البترول

 

وفي ظل انتقادات المعارضة المصرية لسياسات حكومة الانقلاب في ملف الطاقة، تقدم عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد باستجواب (جرى تعليقه) لوزير البترول، مؤكدًا عبر صفحته على "فيسبوك" أنه "بعد متابعة متأنية لمسار هذا الملف منذ عامين، وفي ظل انحسار النتائج والإصرار على عدم تصحيح المسار، باتت المساءلة فرضًا"، داعيًا إلى "حماية المواطن من تحمّل كلفة اختلالات لم يكن طرفًا فيها، والمصارحة الحقيقية حول وضع الطاقة، وتصحيح المسار".

 

ويقول المعارضون للتوسع في توقيع الاتفاقات التي تعد إسرائيل طرفًا فيها، إن حكومة الانقلاب تتورط يومًا بعد يوم في ملف الغاز مع إسرائيل، وتتجه بعيدًا عن غاز الخليج، وخاصة غاز قطر، التي تحسنت العلاقات معها منذ عام 2021، نحو تفاهمات اقتصادية أوسع، في وقت تخطط فيه تركيا لتدشين عدة خطوط طاقة جديدة، منها: (قطر–تركيا)، و(بحر قزوين)، و(سوريا–تركيا)، و(البصرة–تركيا)، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي.

 

هل ورّط السيسي المصريين مجددًا مع إسرائيل؟


وردًا على على سؤال: "هل ورّط السيسي المصريين مجددًا مع "إسرائيل" في ملف الطاقة؟"، قال الباحث في العلاقات الدولية محمد الصاوي: "في شرق المتوسط، لا يصل الغاز إلى الشواطئ وحده؛ بل تصل معه خرائط نفوذ وتفاهمات غير مرئية، وأسئلة قديمة عن السيادة: من يملك القرار عندما تتحول الحاجة الاقتصادية إلى اعتماد طويل الأجل؟".

 

وأضاف في تصريحات إلى موقع "عربي21": "لا ينبغي النظر إلى الاتفاق بين مصر وقبرص بشأن تطوير ونقل الغاز بوصفه صفقة عادية؛ فمثل هذه الاتفاقات لا تنقل الوقود فقط، بل تعيد رسم موازين الاعتماد والنفوذ في الإقليم".

 

وأوضح أن "القراءة المتوازنة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية؛ إذ يمكن النظر إلى الصفقة بوصفها مكسبًا اقتصاديًا وتشغيليًا في المدى القريب، ومصدر قلق استراتيجي مشروع في المدى الأبعد".

 

وأكد أن "السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الصفقة جيدة أو سيئة على نحو مطلق، بل: ماذا تكسب مصر الآن، وما الذي قد تصبح أكثر عرضة لخسارته لاحقًا؟".

 

وبرأي الصاوي، فإن مصر تمتلك عناصر قوة حقيقية في ملف الغاز، تشمل محطات إسالة قائمة، وخبرة تشغيلية، وموقعًا جغرافيًا يجعلها نقطة عبور طبيعية لغاز شرق المتوسط نحو الأسواق الأوسع.

 

وأشار إلى أن ربط احتياطيات قبرص بالبنية المصرية يمنح القاهرة موردًا إضافيًا، ويساعدها على الحفاظ على دورها في تجارة الغاز الإقليمية، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة منذ أزمة أوكرانيا.

 

وشدد على أن "امتلاك البنية التحتية لا يعني امتلاك القرار الكامل"، موضحًا أن حقل "أفروديت" تطوره مجموعة تضم "شيفرون" و"شل" و"نيوميد إنرجي"، ما يجعل إسرائيل حاضرة داخل البنية الاستثمارية للمشروع.

 

وتابع الصاوي: "في عالم تُرسم فيه موازين القوة بالأنابيب كما تُرسم بالجيوش، قد لا تكون أخطر الخسائر هي نقص الإمدادات، بل أن تكتشف الدولة، بعد فوات الأوان، أن ما ظنّته حلًا لأزمة طاقة كان بداية أزمة سيادة".