تشهد قطاع غزة أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بانفجار كارثة غذائية واسعة، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال السلع الأساسية، وعلى رأسها الدقيق والوقود، ما أدى إلى تراجع حاد في إنتاج الخبز وتهديد مباشر للأمن الغذائي لملايين السكان.
وتتجلى ملامح الأزمة في طوابير طويلة تمتد لساعات أمام المخابز ونقاط التوزيع، حيث يصطف آلاف الفلسطينيين يومياً على أمل الحصول على كميات محدودة من الخبز لا تكفي لسد احتياجات أسرهم، في مشهد يعكس عمق المعاناة التي يعيشها السكان، خاصة النازحين والفئات الأشد فقراً.
وقال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن القطاع يمر بـ“تدهور خطير” في منظومة الأمن الغذائي نتيجة استمرار القيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية، مؤكداً أن أزمة الدقيق تمثل أبرز عوامل الانهيار الحالي في قطاع الخبز.
وأوضح أن الاحتياج اليومي لغزة من الدقيق يقدر بنحو 450 طناً، في حين لا تتجاوز الكميات المتوفرة حالياً 200 طن فقط، وهو ما تسبب في انخفاض كبير في قدرة المخابز على الإنتاج وتلبية احتياجات السكان المتزايدة.
وبحسب بيانات المكتب الحكومي، فإن نحو 30 مخبزاً فقط ما تزال تعمل داخل القطاع، بإنتاج يومي يقارب 133 ألف ربطة خبز، يتم توزيع جزء منها مجاناً، بينما يُطرح الباقي بأسعار مدعومة عبر عشرات نقاط التوزيع، في محاولة للحد من تفاقم الأزمة.
وتتداخل عدة عوامل في تعميق الأزمة، من بينها توقف بعض الجهات الإغاثية عن تزويد القطاع بالدقيق، وتقليص برنامج الأغذية العالمي لكميات الدعم اليومية، إلى جانب القيود المشددة على المعابر ونقص الوقود اللازم لتشغيل المخابز.
ورغم الاتفاقات التي نصت على إدخال مئات الشاحنات يومياً من المساعدات، تشير بيانات محلية إلى أن ما يدخل فعلياً لا يتجاوز نسبة محدودة من الاحتياجات الفعلية، ما يترك فجوة كبيرة بين الطلب والإمدادات.
وفي السياق نفسه، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الأوضاع في غزة بأنها “مزرية”، محذراً من اعتماد غالبية السكان بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، في ظل تدهور غير مسبوق في الخدمات الأساسية.
كما أظهرت بيانات برنامج الأغذية العالمي أن نحو 1.6 مليون فلسطيني، أي ما يقارب 77% من سكان القطاع، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، ما يرفع من احتمالات تدهور الوضع الإنساني بشكل أكبر.
وشهدت أسعار الدقيق ارتفاعاً كبيراً في الأسواق المحلية، حيث تضاعف سعر كيس الطحين بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، نتيجة شح الإمدادات وارتفاع الطلب، الأمر الذي فاقم من معاناة المواطنين وأضعف قدرتهم على توفير الغذاء الأساسي.
وفي شهادات ميدانية، يصف سكان في غزة واقعهم اليومي بأنه “صراع من أجل البقاء”، حيث يضطر العديد منهم لقطع مسافات طويلة والانتظار لساعات من أجل الحصول على كميات محدودة من الخبز، لا تكفي لإطعام أسرهم لأكثر من يوم واحد.
ويؤكد النازحون أن ارتفاع الأسعار، إلى جانب نقص السيولة النقدية وتراجع فرص العمل، جعل من تأمين الغذاء مهمة شبه مستحيلة، وسط مخاوف متزايدة من الوصول إلى مرحلة المجاعة الفعلية إذا استمر الوضع على حاله.
وحذر مسؤولون في القطاع من أن استمرار تراجع تدفق المساعدات وعدم التزام إدخال الإمدادات الأساسية قد يؤدي إلى انهيار كامل لمنظومة إنتاج الخبز، ما ينذر بتداعيات إنسانية غير مسبوقة.
ودعت الجهات المحلية إلى تدخل دولي عاجل وفعّال لضمان تدفق المساعدات الغذائية والإنسانية بما يتناسب مع حجم الاحتياجات المتفاقمة، محذرة من أن الوقت يوشك على النفاد أمام تفاقم الكارثة.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، والتي خلفت عشرات الآلاف من الشهداء ودماراً واسعاً طال البنية التحتية في القطاع، وسط حصار مشدد يعيق عمليات الإغاثة ويزيد من معاناة السكان يوماً بعد يوم.

