تحولت وقفة محصلي الفواتير وقارئي العدادات في فرع قها بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية، يوم الثلاثاء، إلى شهادة جديدة ضد طريقة إدارة الحكومة لملف العمل داخل المرافق العامة.
العمال لم يخرجوا بسبب مطلب جانبي ولا خلاف إداري محدود، بل خرجوا لأن الشركة أبقتهم بين عقود بالوكالة وعقود بالعمولة، ثم تركت أجورهم الفعلية عند حدود لا تتجاوز 5200 جنيه شاملًا بدل الانتقال، رغم أن مطلب الحد الأدنى للأجور صار مطروحًا في القطاع نفسه منذ شهور طويلة. لذلك لم تكن الوقفة مجرد احتجاج مهني، بل كانت ردًا مباشرًا على مسار رسمي يقوم على تحميل العامل عبء التحصيل، ثم إنكار حقه في عقد شامل وأجر واضح وأرباح عادلة، بينما تلجأ الإدارة إلى شروط قاسية وبلاغات أمنية بدلًا من حل أصل الأزمة.
الواقعة تكشف كذلك أن الحكومة لم تفشل فقط في تسوية أوضاع هؤلاء العمال، بل سمحت بتراكم الأزمة من مارس 2025 حتى أبريل 2026 رغم تكرار الوقفات في فروع القناطر الخيرية والخصوص وشبرا الخيمة وبنها، ووجود احتجاجات مماثلة في القليوبية وأسوان والجيزة، ثم صدور موافقة لاحقة داخل قطاع مياه الشرب على تطبيق حد أدنى قدره 7000 جنيه من دون حسم واضح للتنفيذ على الأرض. ولهذا بدا مشهد قها امتدادًا زمنيًا لأزمة موثقة، لا واقعة منفصلة. امتناع بعض المحصلين عن توريد المبالغ المحصلة، وفق الشهادات المنشورة، جاء بعد شعور متراكم بأن الإدارة استخدمت العقود الجديدة لإحكام السيطرة على العمال لا لتسوية حقوقهم، ثم أتبعت ذلك باستدعاءات أمنية وتهديدات، في صورة تعكس انحياز السلطة للإدارة ضد العامل الذي يطالب بأبسط حقوقه.
عقود الوكالة والعمولة: تشغيل هش تحت لافتة رسمية
بدأت الأزمة حين دفعت الإدارة، خلال 2025، عددًا كبيرًا من المحصلين إلى التوقيع على ما سمي "عقد العمل الموحد" بصيغة الوكالة بدلًا من عقود التحصيل بالعمولة التي عملوا بها لسنوات. بعض العمال قالوا إن التوقيع جرى تحت ضغط التهديد بالفصل وبتدخلات أمنية، بينما رفض آخرون العقد الجديد فاستمروا بعقود العمولة حتى الآن. هذه التفاصيل لا تعكس خلافًا شكليًا على مسمى التعاقد، بل تكشف أن الشركة أعادت ترتيب علاقة العمل بما يبقي العامل أضعف من أن يضمن أجرًا ثابتًا أو أمانًا وظيفيًا.
ثم زادت المشكلة حين ربطت الشركة جزءًا معتبرًا من الدخل بشروط تحصيل تصل إلى 90%، وهو شرط قال العمال إن تحقيقه شبه مستحيل عمليًا. لذلك سقط الوعد الذي روجت له الإدارة عند تحرير عقود الوكالة بأن الرواتب ستصل إلى 10000 و12000 جنيه، وبقي الواقع عند حدود 5200 جنيه في أحسن الأحوال. هنا لم يعد العقد مجرد إطار قانوني، بل صار أداة لإنتاج أجر منخفض مع تحميل العامل مسؤولية الفشل المتوقع مسبقًا.
وبعد ذلك استخدمت الإدارة نفس العقد الجديد كأداة فرز واستبعاد، لأن نصه يجيز إنهاء التعاقد إذا لم يحقق العامل نسبة التحصيل المطلوبة لمدة 3 أشهر متتالية. هذا يعني أن الشركة لم تنتقل من نظام غير عادل إلى نظام أكثر استقرارًا، بل انتقلت من عمولة هشة إلى وكالة مشروطة بالفصل. لذلك جاءت شكوى العمال من العقد الجديد باعتبار أنه فتح بابًا قانونيًا لتسريحهم، لا لتثبيتهم.
وفي هذا السياق قال كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، إن المشكلة في قانون العمل وتطبيقاته لا تكمن فقط في النصوص، بل في اختلال القوة على الأرض، مؤكدًا أن القانون بصيغته الحالية لا يحقق التوازن المطلوب في علاقات العمل، وأن الأزمة الحقيقية تظهر عند التنفيذ. هذا التوصيف يطابق ما جرى في قها، حيث استُخدمت الصياغة التعاقدية لإضعاف العامل بدلًا من حمايته.
الأجور والأرباح: وعود مرتفعة وواقع عند 5200 جنيه
انفجرت الوقفة الحالية أيضًا لأن محصلي الوكالة استُبعدوا من الأرباح السنوية عن 2025 رغم أن الإدارة وعدتهم بها عند تحرير العقود. وفي المقابل حصل بعض محصلي العمولة الذين رفضوا التوقيع على أرباح تعادل 12 شهرًا من الأجر الأساسي، لكنها لم تتجاوز 2800 جنيه تقريبًا بسبب تثبيت الأجر الأساسي في العقود عند 240 جنيهًا فقط. هذه الأرقام تكشف أن الشركة لم تكتف بحرمان قطاع من الأرباح، بل أبقت أساس الحساب نفسه عند مستوى هزيل يفرغ الاستحقاق من مضمونه.
ويكتسب ذلك دلالة أكبر لأن مطلب الحد الأدنى للأجور لم يكن جديدًا ولا مفاجئًا. ففي 11 مارس 2025 خرج محصلو العمولة وقارئو العدادات في عدة فروع بالقليوبية للمطالبة بتطبيق حد أدنى قدره 7000 جنيه وتحرير عقود شاملة، بعد أن تراوحت دخول بعضهم بين 1000 و4000 جنيه فقط. ثم أعلنت النقابة العامة للعاملين بالمرافق العامة في 30 يوليو 2025 موافقة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي على تطبيق حد أدنى للأجور قدره 7000 جنيه للعاملين بقطاعات الشركة، لكن أزمة قها الحالية تؤكد أن الفجوة بين القرار والتنفيذ بقيت واسعة.
وبينما ظل هؤلاء العمال يتقاضون فعليًا ما لا يتجاوز 5200 جنيه وفق الشهادات الحالية، كانت الحكومة نفسها تعلن تباعًا رفع الحد الأدنى للعاملين بالقطاع الخاص إلى 7000 جنيه اعتبارًا من 1 مارس 2025، ثم رفع الحد الأدنى للدخل للعاملين بالدولة إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو 2026. لذلك تكشف قضية قها مفارقة صارخة، لأن جهاز الدولة يعلن أرقامًا أعلى في البيانات الرسمية، لكنه يترك عمال مرفق عام حيوي تحت هذه الحدود وبشروط عمل أكثر قسوة.
وفي هذا الإطار شدد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني على أن غالبية المحتجين في مواقع عمالية عديدة لا يحصلون أصلًا على الحد الأدنى للأجور، وأن القوانين يجب أن تنص على زيادات سنوية بنفس نسبة التضخم، لأن العلاوات المحدودة تعني عمليًا خفض أجور العمال. هذا الرأي لا يضيف تحليلًا خارجيًا للأزمة بقدر ما يشرح رقم 5200 نفسه، لأن الأجر المنخفض مع تضخم مرتفع يتحول إلى خصم مستمر من قيمة العمل والمعيشة معًا.
الاحتجاج تحت التهديد: حين تلجأ الإدارة إلى الأمن بدل الحل
لم تتوقف الأزمة عند التعاقد والأجر، بل امتدت إلى طريقة تعامل الإدارة مع الاعتراض. العاملون قالوا إن بعض التوقيعات على عقود الوكالة جرت تحت تهديد بالفصل وبتلويح بالأمن الوطني، ثم جاءت بداية 2025 باستدعاء عدد من المحصلين من أفرع مختلفة بعد بلاغات من الإدارة اتهمتهم بالشغب. بهذه الطريقة جرى تحويل نزاع عمالي واضح إلى ملف أمني، بدل فتح تفاوض جاد حول العقود والأجور والأرباح.
ويؤكد التسلسل الزمني أن هذا النمط ليس طارئًا. فالمنصة وثقت في مايو 2024 استدعاء عشرات العمال للتحقيق في مقرات الأمن الوطني والضغط عليهم لوقف الاحتجاجات المطالبة بصرف الرواتب، كما وثقت أن ضعف التمثيل النقابي ترك العمال مكشوفين أمام الإدارة. لذلك فإن ما جرى في قها لا يمكن فصله عن سياسة أوسع داخل قطاع المياه، تقوم على تجفيف قنوات التفاوض ثم ملاحقة من يرفع صوته طلبًا للأجر أو التثبيت.
ومن زاوية قانونية وحقوقية، حذرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات من أن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 لم يضع حدًا جوهريًا للعقود المؤقتة وأنماط التشغيل الهشة، بل كرسها عبر تنظيمها ضمن منظومة وكالات التشغيل، بما أبقى العمال في دائرة عدم الأمان الوظيفي. هذا التوصيف يطابق حالة محصلي قها بدقة، لأن العقد الذي قدمته الشركة بوصفه "موحدًا" انتهى عمليًا إلى توسيع سلطة الإدارة في الإنهاء وتقليص حق العامل في الاستقرار.
وفي قراءة أشمل لتداعيات هذا المسار على المجتمع، قالت الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، إن حماية الفئات الفقيرة في مصر تتطلب خلق فرص عمل جديدة وإعادة تنظيم الإنفاق العام، في ظل اتساع الفقر. وتكتسب هذه الملاحظة وزنًا مباشرًا هنا، لأن الدولة التي تترك عمال التحصيل في مرفق عام أساسي بين الأجر المنخفض والعقد القابل للإنهاء، لا تنتج حماية اجتماعية بل تدفع مزيدًا من الأسر إلى الهشاشة.
لهذا تنتهي وقفة قها إلى معنى سياسي واجتماعي أوسع من حدود فرع أو شركة. الحكومة لم تقدم للعمال عقدًا شاملًا ولا حدًا أدنى مطبقًا ولا أرباحًا عادلة، بل قدمت صياغات تعاقدية هشة وشروط تحصيل عقابية وتهديدًا أمنيًا عند الاعتراض. وعندما يضطر محصلو فواتير مرفق عام إلى الوقوف احتجاجًا ووقف التوريد حتى يسمعهم أحد، فإن الأزمة لا تكون في سلوك العمال، بل في إدارة حكومية جعلت الحق في الأجر والاستقرار معركة مفتوحة ضد الدولة نفسها.

