محمود سلطان
كاتب وصحفي مصري
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعتبر الولايات المتحدة على نطاق واسع أقوى دولة على وجه الأرض، ولا تزال اللاعب الأكثر تأثيرا في الشؤون الاقتصادية والثقافية والسياسية العالمية.
تعد ـ كذلك ـ من الدول الرائدة عالميا كقوة تمتلك نظاما إداريا وسياسيا فريدا ومعقدا. وتتميز بجهاز بيروقراطي فعال، وهيكل فريد وديناميكي وعملي، يتسم بالتحول والابتكار.
صحيح أن قوتها تعود بالتأكيد ـ في الأساس ـ إلى أصولها من الثروات الهائلة والمتنوعة كـ"دولة قارية" مترامية الأطراف، ما يجعلها من بين الدول الأغنى والأقوى اقتصاديا في العالم.
بيد أنه ليس بوسع أي مراقب أن يغفل أن من بين مصادر هيبتها العالميةـ وكنموذج للإبهارـ هي أنها دولة مؤسسات، تتصدى للسلطة التنفيذية، حال تغولها على المواطن الأمريكي، أو إساءة استخدام السلطة، وتوريط الدولة فيما يمس أمنها القومي.
ويمنح الدستور الأمريكي الكونغرس سلطة مساءلة الرئيس وعزله وفق إجراءات متدرجة ومقننة (واجهها ريتشارد نيكسون عام 1974، وبيل كلينتون عام 1999، وأخيرا الرئيس ترمب عام 2020).
ولطالما كانت أمريكا علامة بارزة في مجال الدبلوماسية العامة لعقود: تمثال الحرية، خطة مارشال، مِنح فولبرايت الدراسية، فيلق السلام الأمريكي، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، الترفيه والرياضة الأمريكية، سمعتها الدولية في مجال التعليم، التكنولوجيا الرقمية، ونظام الحكم وحرية التعبير.
لقد نسجت الولايات المتحدة بعناية، سردية وسمعة مميزة، لكن هذا يتغير بسرعة. لم يعد الجمهور في الخارج يرى سوى أقوال وأفعال الرئيس ترمب وحده.
هذا الحضور لمؤسسات الردع السياسي الداخلي، ودورها في التصدي لاندفاع مؤسسة الرئاسة، تراجع وهجه وصخبه الذي اعتدنا عليه في السنوات الأخيرة، واتسعت على حسابها مساحات الحضور المتنامي واليومي ـ تقريباـ لسيد البيت الأبيض وحده. وبدت كما لو أنها تنازلت له طواعيةـ أو بالسكوت ـ عن سلطة صناعة التشريعات بما فيها السيادية الكبرى.
وفي السياق، فعلى الرغم من أن واضعي الدستور الأمريكي، سعوا إلى ضمان عدم قدرة الرئيس على نشر القوات الأمريكية في القتال دون موافقة الكونغرس، ومنحوا الكونغرس سلطة إعلان الحرب، مع جعل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإن الولايات المتحدة، شنت ضربات عسكرية على إيران في 28 فبراير الماضي بالتنسيق مع إسرائيل، فعلت ذلك دون تفويض مسبق من الكونغرس.
صحيح أن إدارات عديدة، أصدرت أوامر باستخدام القوة العسكرية في الخارج دون تفويض صريح من الكونغرس، تشمل هذه الحالات تدخلات إدارة ترومان في شبه الجزيرة الكورية، ونيكسون في كمبوديا، وريغان في غرينادا، وكلينتون في البوسنة وكوسوفو، وأوباما في ليبيا، وامتدت إلى إدارة ترمب في فنزويلا، وإيران.
في كل حالة تقريبا، جادل بعض أعضاء الكونغرس بأن الرئيس لم يكن مخولا بتنفيذ العمل العسكري، بينما ادعى الرئيس أن دوره الدستوري كقائد أعلى للقوات المسلحة يمنحه إصدار أمر الانتشار.
كان من اللافت ـ كذلك ـ اعتماد ترمب على ما يسمى بـ"القيادة الشبكية" عوضا عن المؤسسات، التي جعلت مركزية القائد لا تنبع فقط من هياكل الأحزاب التقليدية، وإنما بقدرته على توظيف الخوارزميات الرقمية، إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ـ وليست المؤسسات الدستورية ـ أداة أساسية في إدارة ترمب، حيث يستخدمها للإعلان عن قراراته وحشد الدعم لها، بل ويمكن لمنشوراته ـ على هذه الوسائل ـ أن تؤثر على الأسواق المالية، وأن تسهم في نجاح أو فشل العديد من الشخصيات، بل ويبدو أنها قادرة على إيقاف الحروب أيضا.
وليس بوسع أي مراقب، أن يظفر بمقاربة لهذه الممارسة، إلا من خلال تصريحات الرئيس ترمب الذي ما انفك يدلي بها بصراحة مدهشة.
ففي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، يوم 8 يناير الماضي 2026، قال الرئيس ترمب: إن القيد الوحيد لسلطته كرئيس للولايات المتحدة هو "أخلاقي الخاصة، وعقلي الخاص".
وأضاف: "هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني"، أقر بأنه "يفعل" فيما يتعلق بضرورة التزام إدارته بالقانون الدولي، لكنه قال: "الأمر يعتمد على تعريفك للقانون الدولي".
لم يكن ترمب مازحا، فالواقع يقدم جردة حساب لقراراته، التي جاءت متسقة مع رؤيته لإدارة الدولة، متحررا من مظلة القيود الدستورية.
يقول ستيفان ليندبرغ، مؤسس معهد "أنواع الديمقراطية" (V-Dem) بجامعة غوتنبرغ السويدية: كانت معظم أوامر ترمب التنفيذية ذات أهمية بالغة. فقد أغلق إدارات حكومية بأكملها، وسرح مئات الآلاف من الموظفين.
أما القوانين التي أقرها الكونغرس فكانت في معظمها تعديلات طفيفة على القوانين القائمة. لذا، لم يعد لدينا فصل حقيقي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بحسب تعبيره.
يضيف ليندبرغ: "لقد شهدنا تركيزا سريعا جدا للسلطة في الجناح التنفيذي. لقد تنازل الفرع التشريعي عمليا عن صلاحياته للرئيس. ولم يعد يعمل كضابط للسلطة التنفيذية".
على سبيل المثال، فمنذ 20 يناير 2025 أصدر البيت الأبيض سلسلة من الأوامر التنفيذية، وصفتها أستاذة علم الاجتماع والشؤون الدولية في كلية برينستون كيم لين شيبيل ـ يوم 21 فبراير 2026 في Verfassungs blog ـ بأنها زعزعت العديد من أسس النظام الدستوري الأمريكي.
مشيرة إلى أنه في الظروف العادية، تعد الأوامر التنفيذية أضعف سلاح قانوني، فهي أدنى من الدستور والقوانين وحتى اللوائح، ولو كان النظام الدستوري الأمريكي يعمل بكفاءة، لما كان لمعظم هذه الأوامر التنفيذية أي أثر؛ لأن القانون الأعلى يلغيها، لكن النظام الدستوري الأمريكي ـ كما تقول شيبيل ـ آخذ في التغير.
إلى جانب ذلك يعتقد قطاع ليس بالقليل من المنظرين الأمريكيين أن فلسفة الإدارة الأمريكية القائمة على الاعتماد على الذات ـ وليس على المؤسسات ـ ألحقت جراحا أعمق بالهوية الجماعية الأمريكية.
ومن جهة أخرى، تفاقمت التوترات الداخلية في البلاد مع تحول الهوية الحزبية إلى محور أساسي للحياة المدنية. ولا تزال استطلاعات الرأي التي تجريها منظمات البحث تظهر أن الانتماء السياسي يعد الآن أحد أقوى مؤشرات الانقسام الاجتماعي، متجاوزا الاختلافات في الطبقة، أو الموقع الجغرافي، أو الدين.
وفي رأي بعض الكتاب الأمريكيين أن الحزب الجمهوري تحول لحركة أشبه بالطقوس الدينية تتمحور حول شخصية ترمب، ما أدى إلى تعميق هذه الانقسامات، حيث تضاءل الخلاف الداخلي، وأصبح الولاء للرئيس أساسيا للانتماء الحزبي.
وقد أدى هذا التحول الهيكلي إلى ترك الحزب بآليات أقل للمساءلة الداخلية، مما يعزز نموذجا يعتمد فيه البقاء السياسي على الالتزام بشخصية واحدة بدل برنامج من المواقف السياسية المطورة بشكل مستقل.
وعلى الصعيد الدولي، أصبح دور أمريكا أكثر غموضا، فبينما يؤكد نظام الرئيس ترمب أنه يعيد تأكيد السيادة الوطنية ويعطي الأولوية للمصالح الداخلية، أعرب الحلفاء عن قلقهم بشأن عدم القدرة على التنبؤ بسلوك البلاد، ومدى استدامة التزاماتها.
وشكك الشركاء الدبلوماسيون في أوروبا وآسيا علنا في قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في العمل كشريك مستقر على المدى الطويل، لا سيما مع التقلبات الحادة في مواقف السياسة الخارجية بين الإدارات المتعاقبة.
ويشير المحللون إلى أن هذا التذبذب يقلل من قدرة أمريكا على التأثير في المعايير العالمية، ما يفسح المجال أمام دول أخرى تقدم انخراطا دبلوماسيا أكثر اتساقا.
إن الجمع بين ضعف المؤسسات المحلية، وتراجع المكانة العالمية قد عزز الاعتقاد بأن التحديات الداخلية للولايات المتحدة ليست تقلبات سياسية مؤقتة بل أعراضا لتراجع هيكلي أعمق.
ومع تراكم هذه الضغوط، فإن ثقة الرأي العام ـ أمريكيا وعالميا ـ في العمليات الديمقراطية، وحيويتها وقدرتها على تصحيح الاعوجاج، ورد الحقوق الدستورية الأصيلة للمؤسسات، ستشهد المزيد من التراجع والتآكل.

