تجددت في مدينة مراكش صورة الرفض الشعبي للتطبيع مع إسرائيل، بعدما خرج مئات المغاربة في وقفة احتجاجية دعت إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، رافعين شعارات واضحة ضد استمرار العلاقات الرسمية مع تل أبيب، ومؤكدين أن الحرب على غزة أعادت هذا الملف إلى صدارة الشارع المغربي. وجاءت الوقفة في لحظة مشحونة، لأن تداول صور ليهود من التيار الحريدي وهم يؤدون طقوسًا دينية قرب سور باب دكالة التاريخي فجر موجة غضب واسعة، اعتبرها محتجون تكريسًا لحضور إسرائيلي مستفز داخل الفضاء العام المغربي. ويضع هذا المشهد الدولة المغربية أمام حقيقة يصعب إخفاؤها، وهي أن قرار التطبيع الذي اتخذته الرباط في ديسمبر 2020 بوساطة أمريكية لا يحظى بسند شعبي، بل يواجه مع مرور الوقت رفضًا أشد وضوحًا، خصوصًا منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023 واستمرار المجازر والدمار والحصار.
وتظهر وقفة مراكش أن الشارع المغربي لا يتعامل مع التطبيع باعتباره قرارًا خارجيًا معزولًا، بل باعتباره ملفًا داخليًا يمس الموقف السياسي والأخلاقي للدولة في لحظة إقليمية دامية. فالمحتجون لم يكتفوا بالتنديد بالطقوس الدينية المثيرة للجدل قرب المعالم التاريخية، بل ربطوا مباشرة بين هذا المشهد وبين المسار الرسمي الذي فتح الباب لتوسيع العلاقات مع إسرائيل على مستويات متعددة. ولذلك رفعت الحشود شعارات مثل "الشعب يريد إسقاط التطبيع" و"يا صهيوني يا جبان، الأسير لا يهان"، كما رفعت لافتات ترفض ما وصفته بتوطين الصهاينة داخل البلاد. ويؤكد هذا الربط أن الاحتجاج لم يكن رد فعل عابرًا على واقعة محلية، بل امتدادًا لغضب متراكم ضد سياسة رسمية لم تتراجع رغم اتساع الرفض الشعبي وتصاعد الغضب من الحرب على غزة.
شرارة مراكش من باب دكالة إلى الشارع الرافض للتطبيع
وجاءت الشرارة المباشرة للاحتجاج بعدما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي صور ومقاطع قيل إنها تظهر يهودًا من التيار الحريدي وهم يؤدون طقوسًا دينية قرب سور باب دكالة التاريخي في مراكش، وهو ما أثار حالة استياء واسعة في المدينة وخارجها. وقد تعامل محتجون مع هذه المشاهد باعتبارها استفزازًا سياسيًا ورمزيًا، لا مجرد ممارسة دينية عابرة، لأن توقيتها تزامن مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة ومع اتساع الغضب الشعبي من كل مظاهر التطبيع.
ثم تحولت موجة الغضب الرقمية إلى وقفة ميدانية شارك فيها مئات المغاربة بدعوة من الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، قرب سور باب دكالة نفسه. وقد حمل المحتجون الأعلام الفلسطينية ورددوا هتافات ترفض التطبيع وتؤيد المقاومة الفلسطينية، كما رفعوا لافتات تدعو إلى وقف جميع أشكال التقارب مع إسرائيل، بما في ذلك ما وصفوه بالتطبيع العلني داخل الفضاء العام المغربي.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث والصحفي جمال أميار أن الدبلوماسية المغربية لم تغير أسسها منذ استئناف العلاقات، لأنها تريد الإبقاء على قدرتها على الحديث مع الفلسطينيين والإسرائيليين معًا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التعاون العسكري مع إسرائيل. وتكشف هذه القراءة سبب الغضب الشعبي في مراكش، لأن الشارع يرى وقائع يومية متصلة بنتائج خيار رسمي مستمر، لا مجرد حادث منفصل جرى احتواؤه إعلاميًا.
التطبيع الرسمي منذ ديسمبر 2020 ومسؤولية الدولة عن اتساع الفجوة
وبدأت هذه الفجوة تتشكل بصورة علنية منذ ديسمبر 2020، حين أعلن المغرب وإسرائيل استئناف العلاقات الدبلوماسية في اتفاق جرى بوساطة أمريكية، وترافق مع اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. ومنذ ذلك التاريخ، انتقل التواصل بين الجانبين من مستوى العلاقات غير المعلنة إلى مستوى التطبيع الرسمي، بما شمل إعادة فتح مكاتب اتصال وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
لكن الشارع المغربي لم يمنح هذا القرار غطاءً شعبيًا، بل تعامل معه منذ البداية باعتباره خطوة مفروضة من أعلى، تخدم حسابات الدولة لا المزاج العام. وقد أظهرت تقارير لاحقة أن الحرب على غزة زادت هذا الرفض حدة، لأن قطاعات واسعة من المغاربة رأت أن استمرار العلاقات مع إسرائيل خلال القصف والحصار والقتل الجماعي يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع الوجدان الشعبي المؤيد للفلسطينيين.
وفي هذا الإطار، قالت انتصار فقير، مديرة برنامج شمال أفريقيا والساحل في معهد الشرق الأوسط، إن استمرار الاحتجاجات الشعبية في المغرب لا يعني بالضرورة أن الحكومة أو القصر سيتجهان إلى تعليق التطبيع مع إسرائيل. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة، لأنها تشير إلى أن الدولة تدرك حجم الرفض الشعبي، لكنها تتمسك مع ذلك بالمسار الرسمي نفسه، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين السلطة والشارع.
غزة تعيد تعبئة الشارع المغربي وتفضح تراجع التأييد الشعبي للتطبيع
ومنذ أكتوبر 2023، أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تعبئة الشارع المغربي بصورة أوسع وأكثر انتظامًا، إذ خرجت مظاهرات متكررة في الرباط ومدن أخرى دعمًا للفلسطينيين ورفضًا للتطبيع. كما وثقت تقارير صحفية أن التظاهرات اتسعت داخل الجامعات وفي الشوارع، في وقت واصلت فيه الدولة المغربية تعاونها مع إسرائيل، بما عمق الإحساس الشعبي بأن السلطة تعاكس المزاج العام بدلًا من أن تستجيب له.
وبسبب هذه الحرب، تراجع التأييد الشعبي للتطبيع في المغرب بصورة حادة وفق نتائج المقياس العربي، إذ هبطت نسبة المؤيدين من 31 بالمئة في 2022 إلى 13 بالمئة فقط في 2023 و2024. ويؤكد هذا التراجع أن الاحتجاجات ليست صدى تنظيميًا محدودًا، بل تعبيرًا عن تغير واضح في الرأي العام، خصوصًا بعد مشاهدة صور الدمار والقتل في غزة على مدى شهور طويلة.
وفي قراءة لهذه النتائج، أوضحت أماني جمال، المشاركة في قيادة أبحاث المقياس العربي، أن الرأي العام العربي بات يفرض قيودًا أكبر على مسارات التطبيع بعد السابع من أكتوبر، لأن الغضب من الهجوم الإسرائيلي على غزة غيّر اتجاهات التأييد السابقة. وتدعم هذه الخلاصة ما جرى في مراكش، لأن الوقفة الأخيرة جاءت في سياق شعبي أوسع يزداد تصلبًا ضد العلاقات مع إسرائيل لا العكس.
وبالتالي تكشف احتجاجات مراكش أن الدولة المغربية لم تعد تواجه اعتراضًا حزبيًا أو حقوقيًا محدودًا على التطبيع، بل تواجه رأيًا عامًا أكثر اتساعًا وصلابة، تغذيه الحرب على غزة وتدعمه وقائع يومية يراها المحتجون دليلاً على تمادي السلطة في هذا المسار. كما تكشف الوقفة أن كل مشهد علني مرتبط بإسرائيل داخل المغرب صار قادرًا على إعادة إشعال الشارع، لأن أصل الأزمة سياسي ومستمر.
ولهذا لا تبدو وقفة مراكش حدثًا عابرًا ينتهي بانفضاض المتظاهرين، بل تبدو حلقة جديدة في صراع مفتوح بين قرار رسمي يحتمي بحسابات الدولة وتحالفاتها، وبين شارع مغربي يواصل إعلان رفضه للتطبيع بصوت أعلى كلما استمرت الحرب على غزة وكلما توسعت مظاهر الحضور الإسرائيلي داخل البلاد. وتتحمل الحكومة المغربية المسؤولية السياسية المباشرة عن هذا الاحتقان، لأنها اختارت الإبقاء على العلاقات مع إسرائيل رغم التراجع الشعبي الحاد ورغم أن الشارع يعلن منذ سنوات أن هذا المسار لا يمثله.

