منذ تصاعد الحرب الإقليمية الأخيرة، عاد السوق العقاري في مصر إلى لعب الدور الذي فرضته عليه أزمات الدولة الاقتصادية خلال السنوات الماضية، لا باعتباره قطاعًا منتجًا تحركه دخول مستقرة أو قدرة شرائية متماسكة، بل باعتباره الملاذ الذي يهرب إليه من يخشى على مدخراته من التآكل.
هذه الحقيقة ظهرت بوضوح في تصريحات أمجد حسنين، نائب رئيس مجلس إدارة شركة إتش دي بي وعضو غرفة التطوير العقاري، حين قال إن الطلب على العقار في مصر ارتفع منذ بداية الحرب لأن المصريين ينظرون إلى العقار باعتباره مخزنًا للقيمة، في إشارة مباشرة إلى أن الخوف من تراجع قيمة الجنيه عاد ليحرك الشراء من جديد.
هذا التطور لا يعكس قوة هيكلية في الاقتصاد، بل يكشف أن الحكومة دفعت السوق مرة أخرى إلى منطق التحوط القسري، بعدما صار المواطن يبحث عن أي أصل يحفظ ما تبقى من أمواله في ظل اضطراب المشهد الاقتصادي وتواصل الضغوط على الأسعار والتكاليف.
المشهد الذي تحاول الحكومة تقديمه باعتباره استقرارًا في السوق يخفي في الواقع معادلة أكثر قسوة على المشترين وعلى القطاع نفسه. فحسنين قال إن الشركات ثبتت الأسعار نسبيًا عبر التسعير بالجنيه وتقديم فترات سداد طويلة تصل إلى 10 سنوات، كما أشار إلى أن كثيرًا من الشركات لجأت إلى البيع المدار أو المحدود للحفاظ على وتيرة مبيعات معينة بدلًا من رفع الأسعار فورًا.
لكن هذا السلوك لا يعني اختفاء الأزمة، بل يعني تأجيل أثرها المباشر ومحاولة امتصاص الصدمة إلى أن تتضح آثار الحرب على التكلفة والتنفيذ والطلب. وفي الوقت نفسه، أكدت سافيلز مصر أن السوق ما زال يتحرك بصورة طبيعية إلى حد كبير، مع استمرار الطلب واستمرار المطورين في تنفيذ المشروعات، لكنها أقرت أيضًا بأن ضغوط الطاقة وسلاسل الإمداد وسعر الصرف ما زالت تضغط على السوق في الأجل القصير.
الطلب يرتفع لأن الحرب زادت الخوف على قيمة الجنيه
قال أمجد حسنين في 23 أبريل 2026 إن الحرب رفعت الطلب على العقار في مصر لأن المصريين يعتبرون العقار مخزنًا للقيمة، كما توقع أن تتراوح الزيادة في الأسعار بين 15% و20%، مع احتمال حدوث زيادات طفيفة مستقبلًا بفعل ارتفاع التكاليف. هذا التصريح وضع جوهر القصة في مكانه الصحيح منذ البداية.
هذا التحول في الطلب لا يمكن فصله عن المناخ الذي صنعته الحكومة خلال الأعوام الماضية، لأن المواطن الذي يرى العملة مضغوطة والتكاليف متحركة لا يتجه إلى العقار حبًا في السوق، بل خوفًا من تآكل مدخراته. ولذلك بدا الطلب الحالي أقرب إلى شراء دفاعي يهدف إلى حماية القيمة أكثر من كونه طلبًا ناتجًا عن تحسن اقتصادي فعلي.
ثم إن حسنين ربط استقرار الأسعار الظاهر بآلية التسعير بالجنيه مع تثبيت السعر على مدد سداد طويلة تصل إلى 10 سنوات، وهي آلية تعطي انطباعًا شكليًا بالهدوء لكنها في الحقيقة تنقل عبء الأزمة إلى الزمن. وبهذا المعنى، فإن السوق لم يتخلص من الصدمة بل أعاد توزيعها بين السعر والتقسيط وموعد التنفيذ.
وفي السياق نفسه، قال الدكتور محمد القاضي في يناير 2026 إن السوق يشهد تمديدًا لفترات التقسيط من 7 سنوات إلى 10 و12 سنة لتخفيف العبء الشهري على المشتري، مع توقع زيادة طبيعية في الأسعار بنحو 15%. هذا التقدير يلتقي مباشرة مع ما قاله حسنين عن بقاء السعر ثابتًا ظاهريًا مقابل تمديد الالتزام المالي فعليًا.
الشركات تؤجل الصدمة ولا تلغيها
قال حسنين أيضًا إن الشركات العقارية قررت امتصاص صدمة ارتفاع التكاليف من دون تحميلها للمشترين فورًا، على عكس ما جرى في 2023، مشيرًا إلى أن بعض الشركات قلصت فترات التقسيط أو اتجهت إلى سياسات بيع أكثر تحفظًا. هذا يعني أن القطاع يتعامل مع الصدمة باعتبارها قائمة ومؤثرة، لكنه يحاول تأخير ظهورها الكامل في السعر النهائي.
وجاء تقرير سافيلز مصر ليؤكد أن السوق العقارية المصرية حافظت على استقرارها النسبي رغم التطورات الإقليمية، وأن المطورين واصلوا تنفيذ مشروعاتهم المخططة، لكن التقرير نفسه ربط الضغوط القائمة بارتفاع تكاليف الطاقة وتحركات سعر الصرف واضطرابات سلاسل الإمداد. لذلك فإن الحديث عن الاستقرار لا ينفي وجود أزمة تكلفة، بل يصف فقط طريقة إدارتها.
وفي هذا الإطار، قال أيمن سامي مدير مكتب جيه إل إل في مصر إن ما يحدث الآن هو زيادة طبيعية تتراوح بين 15% و20% بعد القفزات الأكبر في 2023 وبداية 2024، موضحًا أن هذه الزيادة جاءت نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل وأسعار الأراضي، وأن السوق لا يعرف هبوطًا قويًا للأسعار حتى مع تراجع الفائدة. هذا الرأي يفسر لماذا تتمسك الشركات بالبيع ولا تقدم خفضًا حقيقيًا.
ثم إن استطلاع “عقارات المصري اليوم” في فبراير 2026 سجل تقديرات متقاربة، إذ قال حازم هلال وتامر ناصر ومصطفى شفيع إن الزيادات المتوقعة تدور في نطاق 10% إلى 20% بحسب طبيعة المشروع وموقعه، مع استمرار صعود تكاليف البناء والأراضي. هذا التوافق بين أكثر من مصدر يعني أن زيادة الأسعار لم تعد احتمالًا ضعيفًا بل مسارًا مرجحًا داخل السوق.
الحكومة تروّج للتماسك بينما السوق يعيد تحميل الأزمة على المشترين
أكد حسنين أن التحدي الأكبر أمام الشركات يتمثل في القدرة على تنفيذ المشروعات في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد، كما قال إن تقدير التكاليف لا يزال صعبًا مع استمرار الحرب، وإن البيانات المتاحة لا تسمح بحساب الأثر الدقيق على التكاليف أو المبيعات. هذا الكلام يثبت أن أخطر ما في الأزمة لم يظهر كاملًا بعد، رغم كل حديث التهدئة.
ومن هنا يصبح خطاب الحكومة عن الاستقرار أقرب إلى الترويج السياسي منه إلى الوصف الاقتصادي الدقيق، لأن السوق لا يعمل في بيئة مستقرة فعلًا بل في بيئة تؤجل الانكشاف وتوزع الخسائر بين المشترين والشركات والجداول الزمنية. وحين تضطر الشركات إلى البيع المحدود أو إلى تمديد السداد أو إلى امتصاص التكلفة مرحليًا، فإنها تعترف ضمنيًا بأن السوق تحت ضغط مباشر.
ثم إن مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث في أكيومن لإدارة المحافظ، قال إن لا مجال لتراجع أسعار العقارات مع ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء، وإن متوسط الزيادات سيظل في حدود 10% إلى 20%، كما أوضح أن الأقساط الطويلة لا تعني تراجع سعر العقار بل تعكس حاجة الشركات إلى الحفاظ على السيولة ومواجهة ضعف القدرة الشرائية. هذا التفسير يربط بين أزمة المواطن وأزمة السوق في وقت واحد.
أما الخلاصة، فهي أن الحرب لم تخلق قوة جديدة في العقار المصري بقدر ما أعادت تنشيط وظيفة قديمة فرضها فشل الإدارة الاقتصادية، وهي تحويل العقار إلى مخزن قيمة بديل عن الجنيه. ولهذا السبب ارتفع الطلب، ولهذا السبب أيضًا تبدو زيادة الأسعار بين 15% و20% مرشحة للتحقق، بينما تواصل الحكومة تسويق التأجيل باعتباره استقرارًا، وتترك السوق والمشترين يواجهون وحدهم كلفة الأزمة القادمة.

