تكشف أزمة العاملين بمراكز الشباب وجها واضحا لفشل وزارة الشباب والحكومة في إدارة مرفق واسع يخدم ملايين المواطنين، لأن آلاف الخدمات اليومية تقوم على عمالة غير مستقرة وأوضاع تعاقدية مؤقتة منذ سنوات.
تفضح المطالب المتكررة بتثبيت العاملين أصل المشكلة، فوزارة الشباب والحكومة تسببتا في عجز إداري داخل المراكز، ثم عالجتا العجز بعقود مؤقتة بدلا من وظائف مستقرة تحفظ الخدمة وحقوق العاملين.
عجز المراكز بدأ من سياسات توظيف مؤقتة
مع اتساع الأزمة، لم تعد مشكلة العاملين بمراكز الشباب مجرد طلب تثبيت إداري، بل أصبحت دليلا على خلل صنعته وزارة الشباب والحكومة حين اعتمدتا لسنوات على عمالة مؤقتة لتشغيل مرفق يومي من دون منح العاملين استقرارا وظيفيا واضحا.
عقب ذلك، أكدت المطالبات الأخيرة أن عددا كبيرا من العاملين يعملون بنظام التعاقد أو داخل أوضاع وظيفية غير مستقرة، رغم أن مراكز الشباب تعتمد عليهم في إدارة الأنشطة وتشغيل الخدمات اليومية وسد العجز الموجود داخل المراكز المنتشرة في المحافظات.
بسبب هذا الاعتماد الطويل، تحولت العقود المؤقتة من حل استثنائي إلى سياسة تشغيل ثابتة، وقد تسبب هذا المسار في إضعاف العامل نفسه وإرباك الخدمة العامة، لأن العامل الذي يدير النشاط اليومي لا يملك ضمانا وظيفيا يحميه أو يحفزه.
وبحسب بيانات وزارة الشباب والرياضة نفسها، تمتلك الوزارة 4588 مركز شباب على مستوى الجمهورية، وتضم هذه المراكز نحو 4 ملايين عضو مسجل، وتستقبل نحو 49.5 مليون زيارة سنويا، ويستفيد من خدماتها وأنشطتها نحو 12.9 مليون مواطن.
استنادا إلى هذه الأرقام، تظهر خطورة الأزمة بوضوح، لأن مرفقا بهذا الحجم لا يجوز أن يستند في تشغيله إلى عمالة قلقة أو عقود غير محسومة، ولا يجوز أن تطلب الحكومة جودة خدمة من موظف لا تضمن له وضعا قانونيا مستقرا.
في السياق نفسه، أشار طرح برلماني سابق في يناير 2023 إلى أن العمالة المؤقتة داخل مراكز الشباب جرى الاستعانة بها لسد العجز، وأن هؤلاء العمال يعملون منذ سنوات طويلة ويتقاضون أجورا رمزية ويحتاجون إلى حقوق وظيفية وتأمين صحي.
لذلك، يصبح أصل المشكلة داخل وزارة الشباب والحكومة لا داخل العاملين، لأن الوزارة احتاجت إليهم لتشغيل المراكز ثم تركتهم في وضع مؤقت، بينما استمرت الحكومة في إعلان تطوير المراكز من دون معالجة وضع من يشغلون هذه المراكز يوميا.
عقود ممتدة منذ 2016 وحقوق مؤجلة
بعد سنوات من التشغيل المؤقت، تقول المطالبات الحالية إن عددا كبيرا من العاملين يعمل منذ عام 2016 بنظام التعاقد أو أوضاع وظيفية غير مستقرة، رغم اعتماد مراكز الشباب عليهم في الإدارة والتشغيل وتنفيذ الأنشطة داخل القرى والمدن.
من هذا المنطلق، لا تبدو الأزمة جديدة أو طارئة، لأن مرور سنوات طويلة على هذه العقود يعني أن وزارة الشباب والحكومة عرفتا المشكلة مبكرا، ثم تركتاها تتراكم حتى تحولت إلى ملف يمس استقرار العاملين ومستوى الخدمة في الوقت نفسه.
على هذا الأساس، يرتبط تأخر التثبيت بتراجع الأداء داخل المراكز، لأن العامل الذي يعمل سنوات من دون أمان وظيفي يواجه ضغطا معيشيا وإداريا، بينما يطلب منه النظام نفسه تشغيل أنشطة الشباب والرياضة وخدمة الجمهور ومواجهة نقص الكوادر.
في امتداد واضح، تحدثت مطالبات أخرى خلال فبراير 2026 عن وجود توصيات برلمانية سابقة تلزم وزارة الشباب والرياضة بسرعة حصر أعداد العاملين المؤقتين وتقنين أوضاعهم، لكن الشكوى استمرت بسبب غياب خطوات واضحة تنهي الملف.
ومع تكرار التحركات، تقدمت نيفين الكاتب بسؤال عاجل للحكومة حول عدم تنفيذ توصيات تخص تثبيت العمالة المؤقتة بمراكز الشباب، وقالت إن مجلس النواب ناقش خلال عام 2024 أوضاع عاملين يعملون منذ سنوات طويلة من دون استقرار وظيفي.
إلى جانب ذلك، أوضحت تغطيات حديثة أن اللجنة أوصت وزارة الشباب والرياضة بإعداد دراسة شاملة تتضمن الهيكل المقترح لتثبيت العاملين المؤقتين، وعرضها على الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة خلال مدة محددة، لكن خطوات التنفيذ لم تظهر بوضوح.
من الناحية العمالية، يشير كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية في كتاباته عن أوضاع العمال إلى أن انتشار علاقات العمل الهشة يطرح أسئلة حادة حول حقوق العاملين وتنظيمهم وحمايتهم من عقود غير مستقرة.
هكذا، يتأكد أن ملف مراكز الشباب ليس مطلبا فئويا محدودا، لأن استمرار العمل المؤقت داخل مرفق عام واسع يعني أن الحكومة تستخدم حاجة العاملين لسد عجز تسببت فيه وزارة الشباب والحكومة، ثم تؤجل الاعتراف بحقوقهم الوظيفية.
التثبيت ضرورة للخدمة لا منحة من الوزارة
نتيجة هذا الوضع، يصبح تثبيت العاملين بمراكز الشباب إجراء ضروريا لضمان استقرار الخدمة العامة، وليس منحة تقدمها وزارة الشباب عند الضغط، لأن العاملين الحاليين اكتسبوا خبرة عملية في تشغيل المراكز ويملكون معرفة مباشرة باحتياجات النشء والشباب.
في المقابل، يضر استمرار التعاقد المؤقت بالمراكز نفسها، لأن العجز الممتد في أعداد الكوادر البشرية يضع أعباء إضافية على العاملين الحاليين، ويؤثر في مستوى الخدمات المقدمة، ويجعل النشاط الرياضي والشبابي مرهونا بجهد أفراد بلا ضمانات كافية.
بناء على ذلك، يحتاج الملف إلى آلية واضحة لتوفيق الأوضاع تراعي سنوات الخبرة التي تجاوزت في بعض الحالات أكثر من 6 سنوات، وتستفيد من الكوادر الموجودة لسد العجز القائم بدلا من استمرار الاعتماد على عقود مؤقتة.
من زاوية قانونية، أوضح المحامي الحقوقي خالد علي في سياقات عمالية سابقة أن العقود المؤقتة المجحفة تمنح جهة العمل قدرة واسعة على إنهاء العلاقة وتفتح باب المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور والمساواة، وهو منطق ينطبق على كل علاقة عمل غير مستقرة.
بالتوازي، يؤكد عبد المنعم الجمل رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في مواقف عمالية متكررة أهمية حماية العمالة المؤقتة واليومية، وقد أظهرت تصريحات منسوبة له أن العمالة المؤقتة تمثل كتلة كبيرة داخل قطاعات إنتاجية وخدمية مختلفة.
ولهذا، لا يكفي أن تعلن وزارة الشباب ثقتها في تطوير المنظومة أو تحسين الخدمات، لأن تحسين الخدمة يبدأ من تثبيت من يديرون المراكز فعليا، ومن وقف سياسة تحميل العمال المؤقتين مسؤولية تشغيل مرافق عامة من دون استقرار وظيفي.
قبل أي حديث رسمي عن تطوير مراكز الشباب أو تحويلها إلى مؤسسات مجتمعية، يجب على الحكومة أن تعلن حصرا دقيقا للعاملين المؤقتين، وجدولا زمنيا للتثبيت، ومصادر تمويل الدرجات، وضمانات للأجر والتأمين والتدرج الوظيفي داخل المراكز.
في النهاية، تكشف أزمة العاملين بمراكز الشباب أن وزارة الشباب والحكومة تسببتا في عجز داخل المراكز عبر سنوات من التشغيل المؤقت وتأجيل التثبيت، ولذلك لا يصبح الحل في وعود جديدة، بل في قرار واضح يعيد للعامل حقه ويحمي الخدمة من الانهيار الإداري.

