يكشف تراجع الحكومة عن قرار الغلق المبكر للمحال والمطاعم حجم التخبط داخل إدارة ملف الطاقة، ويضع السلطة أمام اتهام مباشر بأنها جرّبت قرارا مؤذيا على المصريين ثم سحبته دون محاسبة.
يفتح القرار الجديد ملف غياب التخطيط في حكومة تتحرك بأوامر مركزية، لأن شهر الغلق المبكر أضر بالتجارة والسياحة والعمالة اليومية، بينما خرج التراجع الرسمي باعتراف ضمني بأن الخسائر كانت أكبر من الوفر.
قرار الغلق المبكر من ترشيد الكهرباء إلى اعتراف بالفشل
في البداية، فرضت الحكومة المصرية في 28 مارس قرارا بإغلاق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم الساعة 9 مساء خلال أيام الأسبوع والساعة 10 مساء يومي الخميس والجمعة، وقدمت الحكومة القرار كإجراء مؤقت لترشيد استهلاك الكهرباء لمدة 3 أشهر وسط ارتفاع أسعار الطاقة.
ثم عادت الحكومة يوم الأحد لتلغي القرار بعد شهر واحد من تطبيقه، وأعلنت عودة مواعيد الغلق الطبيعية حتى الساعة 11 مساء، بينما قال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني إن القرار جاء استجابة للقطاع الخاص، خاصة القطاع السياحي .
وبذلك، بدت الحكومة كأنها تعترف بأن قرارها لم يخضع لدراسة أثر كافية، لأن التراجع لم يأت بعد انتهاء خطة واضحة، بل جاء بعد اعتراضات اقتصادية وسياحية وتجارية، وهو ما جعل القرار نموذجا صارخا لإدارة الأزمة بالصدفة لا بالتخطيط.
لاحقا، رفعت العودة عن المحال والمطاعم قيود الأحياء ومجالس المدن والوحدات المحلية، وقلصت مساحات الملاحقة الأمنية للمخالفين، كما أوقفت عمليا تحصيل مخالفات واسعة وفتحت الباب لإعادة النشاط الليلي في القاهرة والمحافظات والقرى والمناطق السياحية.
في المقابل، كانت الحكومة قد روجت للقرار باعتباره خطوة تحقق وفرا كبيرا في الكهرباء والوقود، إذ تحدثت وزارة الكهرباء عن توفير 18 ألف ميغاواط ساعة خلال الأسبوع الأول، إلى جانب 3.5 مليون متر مكعب من الوقود المستخدم في تشغيل المحطات .
لكن هذا الرقم لم يمنع التراجع، لأن الحكومة اصطدمت بتكلفة اقتصادية أعلى من العائد المعلن، كما أن المحال التجارية لا تستهلك إلا نسبة محدودة من إجمالي الكهرباء، وهو ما جعل تحميلها عبء الأزمة دليلا على سهولة استهداف الحلقة الأضعف.
السياحة والتجارة تدفعان ثمن قرار بلا دراسة
بعد ذلك، ظهر أثر القرار على قطاعات ترتبط بحركة الليل، خصوصا السياحة والمطاعم والفنادق والملاهي والنوادي الليلية، لأن النشاط المسائي يمثل جزءا أساسيا من إنفاق الزوار، بينما اختارت الحكومة أن تضرب هذا النشاط باسم الترشيد ثم تتراجع تحت ضغط الخسائر.
وفي هذا السياق، قالت الخبيرة الاقتصادية هدى الملاح إن ما بين 30 و40 بالمئة من إنفاق السائحين يتم مساء، وتوقعت تراجع الإيرادات بين 20 و35 بالمئة، كما رأت أن إجراءات الترشيد قد توفر بين 5 و10 بالمئة فقط من استهلاك الكهرباء بما لا يعادل الخسائر الاقتصادية.
لذلك، كشف القرار أن الحكومة حسبت الكهرباء ولم تحسب حركة البيع والشراء والضرائب والعمل اليومي، لأن الغلق المبكر ضغط على أصحاب المحال والعمالة اليومية وأضعف التجارة الداخلية، ثم جاء التراجع بعدما ظهر أن الخسارة ستصل إلى موارد الدولة نفسها.
ومن جهة أخرى، أشار الخبير الاقتصادي هاني توفيق إلى أن معظم القرارات الإدارية والاستثمارية في مصر تؤخذ دون دراسات اقتصادية مسبقة، موضحا أن القرار قد يبدو مجزيا ماليا في ظاهر الحسابات، لكنه يصبح سلبيا عند احتساب آثاره الاجتماعية والتشغيلية والسوقية .
وبناء على ذلك، تحولت واقعة الغلق إلى اتهام مباشر للحكومة بأنها لا تملك دورة قرار محترمة، لأن القرار مس حياة المصريين اليومية، وضرب مصالح قطاعات إنتاج وخدمات، ثم انسحب تحت ضغط القطاع السياحي دون إعلان دراسة خسائر أو تحديد مسؤول سياسي.
كما أن الغضب الشعبي على مواقع التواصل لم يكن اعتراضا عابرا، لأن مصريين وصفوا القرار والتراجع عنه بفضيحة إدارية تكشف العشوائية، وتؤكد أن القرارات التي تمس حياة الناس تمر دون حوار مجتمعي ودون رأي برلماني ودون مراجعة خبراء السوق.
غياب الحوكمة يضع حكومة السيسي أمام المحاسبة
في الإطار نفسه، قال استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل إن إصدار القرار ثم التراجع السريع عنه يكشف 3 مشكلات رئيسية، وهي ضعف دراسة الأثر المسبق، وقصور إشراك أصحاب المصلحة مثل الغرف التجارية والإدارات المحلية، واختبار رد الفعل العام بعد التنفيذ.
ثم أوضح زويل أن الواقعة تشير إلى خلل في دورة صنع القرار، يظهر في غياب التنسيق بين الجهات التنفيذية، وضعف التغذية الراجعة قبل التطبيق، والميل إلى القرارات المركزية السريعة بدلا من السياسات التدريجية، وهي علامات تضع الحكومة في موضع اتهام مؤسسي.
في الوقت ذاته، اعتبر زويل أن الحديث عن تغول جهات سيادية يصبح قائما عندما تتدخل جهات غير مدنية أو غير مختصة في توجيه السياسات التنفيذية أو تتجاوز الوزارات والهياكل المعتادة، وهو توصيف يلاحق حكومة السيسي بسبب سيطرة المركز الأمني على القرار العام.
وبالتوازي، قال الخبير في الحوكمة راضي حلمي إن التراجع يأكل من هيبة الدولة، لأن قرارات تمس عصب الاقتصاد والحياة اليومية لا تصدر في علم الحوكمة الاستراتيجية إلا بعد دراسة الأثر وحساب الخسائر قبل المكاسب، لا بعد اكتشاف الضرر في السوق.
كما وصف حلمي اكتشاف الحكومة خسائر القطاع السياحي بعد صدور القرار بأنه فضيحة إدارية، واعتبر أن الدولة تدار بالصدفة لا بالخطط، لأن كثرة التراجع في قرارات مصيرية من تخفيف الأحمال إلى غلق المحال تفقد المواطن والمستثمر الثقة في عقل السلطة.
إضافة إلى ذلك، تجاهلت الحكومة بدائل أقل ضررا، مثل تسهيل تركيب الألواح الشمسية فوق المنازل والمحال، وإلزام الهيئات الحكومية بالإضاءة الذكية، وتحويل المؤسسات العامة إلى منتجة لبعض احتياجاتها من الطاقة، بدلا من الاكتفاء بدور الجابي ورفع الأسعار وفرض الغلق.
وفي المقابل، تواجه مصر أزمة طاقة واضحة، لأن استهلاك الكهرباء يصل إلى نحو 40 ألف ميغاواط يوميا خلال الصيف، كما يرتفع استهلاك الغاز من نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة في الموسم نفسه.
لذلك، لا يبرئ وجود الأزمة الحكومة من سوء إدارتها، بل يدينها أكثر، لأن السلطة التي تعرف حجم الفجوة اختارت قرارا إداريا سريعا يضغط على المواطنين والتجار والسياحة، ولم تقدم خطة انتقال جادة أو حوافز طاقة بديلة أو رقابة على إنفاق مؤسسات الدولة.
وفي الخاتمة، يثبت إلغاء الغلق المبكر أن حكومة السيسي لا تدير أزمة الطاقة بعقل تخطيطي، بل تديرها بقرارات فوقية ثم تتراجع عندما تظهر الخسائر، وهذا السلوك لا يحتاج إلى تبرير جديد، بل يحتاج إلى محاسبة معلنة لمن صنع القرار ومن دفع المصريين ثمنه.

