نبيل البكيري

صحفي وباحث يمني

 

فجأة وبلا مقدّمات، برزت شائعة تصنيف الإدارة الأميركية حزب التجمع اليمني للإصلاح جماعة إرهابية، وعاد الحديث إلى السطح في حملة إعلامية منظّمة، حيث يأتي هذا في أعقاب قرارات إدارة الرئيس دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن جماعات إرهابية (يناير 2026)، ضمن سياسة أميركية أوسع ضد فروع "الإخوان"، وجزءًا من تداعيات "طوفان الأقصى".

 

لافتٌ أن الحديث عن تصنيف "الإصلاح" يجمع بين مؤشّرات حملة إعلامية - سياسية ومراجعة قانونية - أمنية حقيقية قد تجريها واشنطن حاليًا، وتشمل استفسارات رسمية حول الحزب و161 كيانًا مرتبطًا به، اقتصادية وخيرية واجتماعية. وهذا موضوع رُدّ عليه من خلال دائرة الحزب القانونية التي سلمتها للشرعية نفسها التي تولّت بدورها الرد على الأميركان بها.

 

التوقيت بالغ الدلالة، إذ يتزامن مع توترات إقليمية حادّة، ما يجعل الأمر أقرب إلى مزيج من الضغوط السياسية والمخاوف الأمنية الموضوعية وغير الموضوعية، التي تُضخَّم أحيانًا من خلال لوبيات الضغط المختلفة إعلاميًا وسياسيًا في واشنطن والغرب عمومًا، من خلال مراكز دراسات ومواقع وصحف. ومع ذلك، ثمة جملة ملاحظاتٍ يمكن أن تضع الحملة في سياقها الصحيح.

 

أولًا: حزب التجمع اليمني للإصلاح، منذ تأسيسه في سبتمبر 1990، مرخص قانونيًا يستند إلى دستور الوحدة اليمنية الذي تبنّى التعدّدية. وعمل تحت رقابة مؤسّسات الدولة اليمنية بالتنسيق التام مع شركائها في مكافحة الإرهاب، بمن فيهم الأميركيون أنفسهم، وما قصة الشيخ محمد المؤيد وتبرئته في 2008، بعد استدراجه وسجنه ببعيد، وهذا ما يجعل أي تصنيفٍ شاملٍ عملية معقدة قانونيًا وغير منطقية في الظروف الحالية.

 

ثانيًا: "الإصلاح" خليط فكري وسياسي واجتماعي، وتأثر جزءٌ منه بتيار "الإخوان المسلمين"، لكنه لا يشكّل نسبة غالبة داخل بنيته الحزبية. ويعرّف بيانه التأسيسي الحزب "حركة إصلاحية يمنية جامعة" امتدادًا لحركة الإحياء والتجديد اليمنية التي يمثلها أعلام كبار، مثل الشوكاني وابن الأمير والمقبلي. ومع ذلك، قد يُعترف به دوليًا فرعًا يمنيًّا لـ"الإخوان"، وينفي الحزب بشدة ارتباطه التنظيمي بهم، ولا ينفي تأثره الفكري كغيره من الأحزاب اليمنية التي تأثّرت في منتصف القرن الماضي بمعظم الأفكار السائدة في العالم العربي من الناصرية والقومية والاشتراكية والبعثية وغيرها من الأفكار. بيد أن الإدارة الأميركية الترامبية تسعى حاليًا، في ضوء تداعيات "طوفان الأقصى"، وقبله "الربيع العربي"، للتشدد تجاه كل ما له علاقة بما تسميها الأدبيات الغربية بالإسلام السياسي، ويقصدون به "الإخوان المسلمين"، واليمن ربما ليس خارجًا عن مثل هذه الحسابات أميركيًا. ولكن ليس بالصرامة التي عليها حال إسلاميي طوق فلسطين، كالأردن ومصر ولبنان. وربما هذا ما قد يمنح واشنطن مبرّرًا قانونيًا للمراجعة والتقييم لحزب الإصلاح الذي يشدّد على عدم صلته بالتنظيمات الإخوانية، ويصر على الهوية اليمنية العريضة له حزبًا يمنيًّا خالصًا.

 

ثالثًا: لا يمكن فصل الشائعة عن السياق اليمني منذ عشر سنوات، وخصوصًا الصراع بين السعودية (قائدة التحالف والحليف الاستراتيجي للشرعية التي يشكل "الإصلاح" أحد أبرز مكوّناتها) والإمارات التي استثمرت باكرًا في مليشيات وكيانات جنوبية، وسعت للسيطرة على الموانئ والسواحل، تحت لافتة "القضية الجنوبية"، وهو ما زاد من حدّة التوتر الذي بلغ ذروته نهاية 2025، حيث تدخلت السعودية عسكريًا لإعادة ترتيب الوضع في الجنوب، ما أدّى إلى تراجع إماراتي جزئي.

 

رابعًا: ترى الإمارات أن وصم "الإصلاح" بالإخوانية، ثم تصنيفه أميركيًا إرهابيًا قد يُعيد لها نفوذًا فقدته بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي دعمته منذ 2018 بغرض شيطنة الشرعية أمام الرأي العام الغربي، وتصوير السعودية داعمة لـ"الإرهاب"، وفتح الباب أمام فوضى جديدة تعيق جهود استعادة الدولة اليمنية وأمن المنطقة واستقرارها.

 

خامسًا: يدرك الأميركيون أن الملف اليمني أمنيًا وسياسيًا سعودي بالأساس، وأن الرياض هي المخوّل الأول بإدارته، وهذا لا يعني أن واشنطن ليس لها مصالح مستقلة في مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة، إنما يعني أن المملكة هي المخوّل والأقدر على تحمّل مسؤولياتها الأمنية، لما تمثله المملكة من وزن وحضور إقليمي ودولي كبيرين، لذا قد تبدو ضغوط اللوبيات الإماراتية مؤثرة، لكنها ليست حاسمة وحدها.

 

سادسًا: الأهم استراتيجيًا أن اليمن منطقة تماس مباشر مع النفوذ الإيراني عبر الحوثيين، الخصم اللدود لـ"الإصلاح"، الحزب الذي يشكّل اليوم حائط صد أقوى في مواجهة الحوثيين في مأرب وتعز وغيرهما، ويحمي طرق الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، ومن ثم قد يُضعف تصنيفه إرهابيًا الجبهة المضادة لإيران، ويُعقّد جهود الشرعية، ويخدم مصالح طهران في النهاية. ولهذا كله، ليس من مصلحة السعودية ولا أميركا ولا المجتمع الدولي ضرب هذا المكوّن الرئيسي في التحالف المضاد للحوثيين.

 

ختامًا: قد لا يكون موضوع التصنيف هذا فزّاعة إماراتية بحتة، وإن حضرت بصماتها بوضوح، لكنه قد يكون جزءًا من سياسة ترامب الممنهجة ضد "الإخوان المسلمين"، مدعومة بلوبي إماراتي وإسرائيلي نابعة من مخاوف أمنية لديهم من ارتباطات تاريخية للحزب بهم. ولكن تعقيدات التصنيف تبقى كبيرة، فالحزب مكوّن أساسي في الشرعية اليمنية، وله قاعدة شعبية عريضة، ودوره ميدانيٌّ حاسم ضد التمدّد الإيراني، وأي قرار أميركي يجب أن يوازن بين مكافحة الإرهاب التي غدت ورقة سياسية، في ضوء تحوّلات الحالة السورية، والحفاظ على التحالف الاستراتيجي الذي يحمي أمن المنطقة كلها في ضوء الحرب أخيرًا وتداعياتها المفتوحة على كل الاحتمالات.