كشفت معاينة مشتركة لوزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للآثار في القاهرة اليوم الخميس 30 أبريل 2026 عن خطورة إنشائية جسيمة في مئذنة مسجد جوهر المعيني بمنطقة عابدين، بعد رصد شروخ وانفصالات وانهيار جزئي في جوسق المئذنة وميل واضح في كرسيها، بما يهدد المواطنين والطلاب في محيط المسجد.
تعيد الواقعة فتح ملف الإهمال الرسمي في المساجد الأثرية داخل القاهرة، لأن الخطر لم يظهر في مبنى مهجور بل في مسجد قائم بمنطقة مأهولة ورواده مواطنون وطلاب، بينما اكتفت وزارة الأوقاف بعد سنوات من التدهور بإعلان متابعة مستمرة، من دون توضيح جدول زمني سابق للصيانة أو مسؤولية مباشرة عن التأخر.
مئذنة مائلة وشروخ ظاهرة في قلب عابدين
في البداية، عقد الاجتماع الميداني داخل مسجد جوهر المعيني بحضور اللواء الدكتور المهندس محمد عراقي مساعد وزير الأوقاف للشؤون الهندسية، والمهندسة سماح علي عبد الحميد مديرة الإدارة الهندسية لأوقاف القاهرة، والشيخ عماد حسن أحمد مدير إدارة غرب، وممثلي قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار وتفتيش آثار وسط القاهرة.
وخلال المعاينة، سجلت اللجنة وجود شروخ وانفصالات داخل المئذنة، كما رصدت انهيارا جزئيا في جوسق المئذنة وميلًا واضحًا في كرسيها، وهذه العناصر لا تعني احتياجا تجميليا للترميم، بل تعني خطرا إنشائيا مباشرا على المسجد ومن يمرون أو يدرسون أو يصلون حوله.
وبعد رصد الخطر، كشفت اللجنة تدهور الحالة الإنشائية والمعمارية للمسجد كله، وربطت هذا التدهور بانخفاض منسوب المسجد عن مستوى الشارع، وهو عامل يضاعف أثر الرطوبة والمياه والحركة العمرانية المحيطة، ويكشف أن المشكلة تراكمت قبل وصولها إلى مرحلة الميل والانفصال.
لذلك، أوصت اللجنة بتدخل فوري وعاجل لدرء الخطورة عن المسجد والمئذنة، كما أوصت بسرعة اتخاذ الإجراءات القانونية للتعاقد مع شركة متخصصة في ترميم الآثار، على أن يتولى المجلس الأعلى للآثار إعداد المقايسات الفنية اللازمة، وهي توصيات تؤكد أن الملف خرج من خانة الصيانة العادية.
مسجد أثري يدفع ثمن إدارة بطيئة للصيانة
تاريخيا، يحمل مسجد جوهر المعيني قيمة أثرية داخل القاهرة، إذ يظهر في قواعد بيانات القاهرة الإسلامية بوصفه أثرا في عابدين، كما تذكر قوائم الآثار أن المسجد يحمل رقم أثر 611، وأنشأه جوهر المعيني عام 1229 هجريا الموافق 1814 ميلاديا في حارة جوهر بحي عابدين.
ومن هنا، لا يمكن التعامل مع مئذنة المسجد باعتبارها منشأة خدمية عادية، لأن المئذنة جزء من سجل معماري وديني داخل منطقة مزدحمة في القاهرة، وأي انهيار فيها يضرب سلامة الناس أولا، ثم يضرب قدرة الدولة على حفظ أثر مسجل ضمن نسيج عمراني قديم.
في السياق نفسه، قالت أستاذة التخطيط العمراني جليلة القاضي إن الحفاظ على التراث الثقافي يقع في صلب التنمية المستدامة، وكتبت أن الإرث الثقافي لمصر من أهم كنوزها، بما يجعل ترك مسجد أثري حتى مرحلة الخطر الإنشائي تناقضا واضحا مع أي حديث رسمي عن التنمية.
وعلى مستوى إدارة القاهرة، دعت جليلة القاضي أيضا إلى ترميم المباني القديمة واستخدامها وتحسين الفراغ العام داخل المدينة، وربطت حماية الهوية الحضرية بوعي عام ومشاركة مدنية، وهو طرح يضع مسؤولية واضحة على الحكومة التي تتحرك غالبا بعد ظهور الخطر لا قبله.
بناء على ذلك، تظهر أزمة مسجد جوهر المعيني كجزء من نمط أكبر في إدارة التراث، لأن المؤسسة الرسمية تعلن التحرك بعد تسجيل شروخ وميل وانهيار جزئي، بينما كان الواجب أن تعمل الوزارة والمجلس الأعلى للآثار على فحص دوري معلن للمساجد الأثرية داخل الأحياء المكتظة.
ترميم الآثار لا يبدأ بعد تهديد أرواح المواطنين
في المقابل، تؤكد وزارة الأوقاف أنها تتابع كل المساجد وتحرص على صيانتها والحفاظ عليها بما يضمن سلامة المصلين ورواد بيوت الله، لكن واقعة جوهر المعيني تضع هذا التأكيد أمام اختبار عملي، لأن الخطر وصل إلى المئذنة والكرسي والجوسق قبل إعلان التدخل العاجل.
كما تفتح الواقعة سؤالا عن التنسيق بين الأوقاف والآثار، لأن المسجد يحتاج إلى شركة ترميم آثار ومقايسات فنية من المجلس الأعلى للآثار، وهذا يعني أن الصيانة لا تستطيع أن تسير بقرار إداري سريع فقط، بل تحتاج إلى ملف فني وموازنة وجدول تنفيذ معلن للمواطنين.
وفي ملف أوسع، وصفت عالمة الآثار مونيكا حنا هدم بعض مكونات القاهرة التاريخية بأنه هدم للتاريخ والذاكرة المصرية، ودعت في واقعة أخرى إلى إيقاف الأعمال الضارة وتشكيل لجنة خبراء يؤخذ رأيها بجدية، وهو منطق ينسحب على أي تدخل في مئذنة أثرية مهددة.
وبالتوازي، كتبت الباحثة المعمارية أمنية عبد البر عن دور المجتمع المدني في الحفاظ على التراث المعماري المصري، وركزت على الأخطار التي تهدد المباني غير المحمية كفاية، كما يذكر ملفها البحثي أنها عملت منذ 2011 على توثيق النهب والتدمير وحماية التراث المملوكي.
ثم يصبح إشراك المجتمع المحلي ضروريا في عابدين، لأن الأهالي والطلاب ورواد المسجد هم أول من يتعرض للخطر إذا تأخر التدخل، وهم أيضا أول من يمكنه رصد تطور الشروخ والميل، بشرط أن تفتح الوزارة والمجلس الأعلى للآثار قناة واضحة للإبلاغ والمتابعة لا مجرد بيان بعد المعاينة.
أخيرا، تكشف مئذنة مسجد جوهر المعيني أن الحكومة تتعامل مع التراث الديني بمنطق رد الفعل، لا بمنطق الوقاية، لأن الشروخ والانفصالات والميل والانهيار الجزئي لا تظهر في يوم واحد، ولأن سلامة المصلين والطلاب لا تحتمل انتظار المقايسات بعد وصول الخطر إلى هذا المستوى.

