أعلنت حركة النهضة التونسية يوم الخميس 30 أبريل 2026 تدهور صحة رئيسها راشد الغنوشي داخل السجن ونقله بشكل عاجل إلى المستشفى للمراقبة الطبية، وقالت إن وضعه الصحي شهد تدهورا حادا، بينما جددت مطالبتها بإطلاق سراحه فورا باعتباره محتجزا تعسفيا وفق قرار أممي حديث.
تضع واقعة نقل الغنوشي إلى المستشفى سلطة قيس سعيد أمام مسؤولية سياسية وحقوقية مباشرة، لأن الرجل البالغ 84 عاما معتقل منذ 17 أبريل 2023، ويواجه أحكاما وسلسلة قضايا وصفتها الحركة ودفاعه بأنها سياسية، بينما حذرت تقارير حقوقية من اتساع القمع ضد المعارضة والإعلام والمجتمع المدني في تونس.
نقل عاجل إلى المستشفى بعد تدهور حاد
قالت حركة النهضة في بيانها إن الغنوشي تعرض إلى تدهور حاد في وضعه الصحي، وإن إدارة السجن اضطرت إلى نقله عاجلا إلى المستشفى لتلقي العلاج والخضوع إلى مراقبة طبية لعدة أيام، وهي صياغة تعكس خطورة الحالة وتضع مسؤولية الرعاية الصحية على إدارة السجون والسلطات التونسية.
وبحسب رويترز، قالت الحركة إن تدهور صحة الغنوشي يمثل تطورا خطيرا، وطالبت بإطلاق سراحه الفوري، بينما أشارت الوكالة إلى أن رئيس النهضة ورئيس البرلمان السابق مسجون منذ 2023 ضمن حملة أوسع استهدفت شخصيات معارضة في تونس خلال حكم الرئيس قيس سعيد.
وفي بيانها، اعتبرت النهضة أن المكان الطبيعي للغنوشي أن يكون حرا في بيته وبين أهله، واستندت في ذلك إلى قرار أممي وإلى حقه الدستوري في الرعاية الصحية الضرورية، بما يعني أن الحركة لا تتعامل مع الأزمة كطارئ طبي فقط، بل كملف احتجاز سياسي ممتد.
كما يكتسب نقل الغنوشي إلى المستشفى حساسية إضافية بسبب تقدمه في السن ومعاناته أمراضا مزمنة، لأن استمرار احتجازه في ظل هذه المعطيات يزيد كلفة الاعتقال على المستوى الإنساني، ويجعل أي تدهور لاحق في صحته مسؤولية لا يمكن فصلها عن قرار إبقائه داخل السجن.
قرار أممي يصف الاحتجاز بالتعسفي
قبل أسابيع، أعلن الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة رأيه بشأن قضية الغنوشي، وخلص في الرأي رقم 63 لسنة 2025 إلى أن احتجازه تعسفي، ودعا السلطات التونسية إلى إطلاق سراحه فورا، ومنحه حق التعويض، وفتح تحقيق في ظروف اعتقاله.
ويعطي القرار الأممي بعدا قانونيا دوليا لمطالب الإفراج عنه، لأنه لا يكتفي بوصف الحالة سياسيا، بل يضعها في خانة انتهاك الحقوق الأساسية والإجراءات العادلة، ويطالب تونس باتخاذ إجراءات تصحيحية، وهو ما لم تستجب له السلطات حتى إعلان تدهور صحته.
وبذلك، يتحول ملف الغنوشي من قضية داخلية بين حركة النهضة والسلطة إلى اختبار لالتزام تونس بتعهداتها الدولية، لأن الدولة التونسية صادقت على معاهدات حقوقية تفرض احترام الحق في المحاكمة العادلة والحق في الحرية والسلامة الجسدية والرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز.
وفي السياق الأوسع، قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي 2026 إن السلطات التونسية اعتقلت تعسفيا عاملين في منظمات غير حكومية خلال 2024، ضمن تضييق استهدف العمل الجمعياتي، كما رصدت منظمات أخرى توسع الملاحقات ضد صحفيين ونشطاء ومعارضين.
قضايا متراكمة ومعارضة تحت الضغط
اعتقل الغنوشي في 17 أبريل 2023 بعد تصريح اعتبرته السلطات تحريضا على أمن الدولة، ثم تتابعت ضده قضايا منفصلة، بينها قضايا تتعلق بتهم الإرهاب والتمويل الأجنبي وانتخابات 2019 وملف إنستالينغو، بينما تنفي الحركة ودفاعه وجود أدلة كافية وتصف المسار القضائي بأنه سياسي.
وقد أوردت رويترز في فبراير 2026 أن محكمة استئناف تونسية أيدت وزادت أحكاما على معارضين ومسؤولين سابقين، وأن الغنوشي تلقى حكما بالسجن 20 عاما في إحدى القضايا بعد رفع الحكم من 14 عاما، بينما بلغت أحكامه التراكمية وفق الوكالة نحو 50 عاما.
وتذكر مصادر عربية أن مجموع الأحكام الصادرة ضده تجاوز 70 عاما بعد أحكام أخرى، من بينها 22 عاما في قضية وصفت بالتخابر، و5 سنوات في ملف التمويل الأجنبي، و14 عاما في قضية التآمر على أمن الدولة، ثم 20 عاما في قضية أخرى صدرت في أبريل.
وبسبب هذا التراكم القضائي، أعلن الغنوشي من داخل سجنه أنه يقاطع التحقيق والمحاكمة لأنه لا يرى ضمانات قانونية وقضائية كافية، وقال في رسالة سابقة إن تونس تحتاج إلى حوار لا يستثني أحدا لمعالجة أزماتها، وإن خطابا دعا فيه إلى قبول الاختلاف تحول إلى تهمة تآمر.
في المقابل، يواصل الرئيس قيس سعيد نفي اتهامات خصومه بشأن الانقلاب على المسار الديمقراطي، ويقول إن إجراءاته تستهدف محاسبة الفاسدين وحماية الدولة، لكن منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية تربط الاعتقالات وتضييق المجال العام بمسار تركيز السلطة بعد حل البرلمان عام 2021.
وفي النهاية، يعيد تدهور صحة راشد الغنوشي السؤال الأساسي في تونس إلى نقطة واضحة: هل تستطيع السلطة أن تبرر استمرار حبس زعيم سياسي مسن بعد قرار أممي يعتبر احتجازه تعسفيا، وبعد نقل عاجل إلى المستشفى، أم أن السجن تحول إلى أداة لإسكات المعارضة وإغلاق باب الحوار الوطني.

