كشفت بيانات الموازنة العامة في مصر للسنة المالية 2024/2025 أن الحكومة تستهدف تمويل 49.1% من الموارد عبر الاقتراض وإصدار الأوراق المالية بقيمة تقترب من 2.85 تريليون جنيه، بينما تقف الإيرادات المستهدفة عند 2.6 تريليون جنيه أمام مصروفات تبلغ 3.9 تريليون جنيه، فتظهر النتيجة في عجز واسع وضغط متزايد على الدين العام.
ربطت هذه الأرقام الأزمة المالية بواقع اجتماعي مباشر، لأن الحكومة لا تمول فجوة عابرة داخل دفاترها فقط، بل تنقل كلفة العجز إلى المواطنين عبر ضرائب أعلى وخدمات أضعف وفوائد دين تستنزف الإنفاق المقبل، بينما يظل خطاب الفائض الأولي عاجزا عن إخفاء اعتماد الدولة المتكرر على الاستدانة.
الاقتراض يتحول إلى المصدر الأول للموازنة
في البداية، تضع موازنة 2024/2025 الاقتراض في صدارة الموارد بنسبة 49.1%، وهذا الترتيب يكشف أن الحكومة تعتمد على الدين قبل الإنتاج والضرائب المستقرة، لأن بند الاقتراض وإصدار الأوراق المالية أصبح الرافد الأكبر لتغطية الاحتياجات الجارية لا مجرد أداة مؤقتة لسد فجوة محدودة.
وبسبب هذا الاعتماد، تستهدف الحكومة اقتراض نحو 2.85 تريليون جنيه خلال السنة المالية، وهو رقم يضع إدارة الدين في قلب السياسة الاقتصادية، لأن كل توسع في الاقتراض اليوم يعني التزاما أكبر في الأعوام التالية، ويزيد ضغط الفوائد على الموازنة التي تعاني أصلا من فجوة واضحة بين الإيرادات والمصروفات.
ثم تظهر المشكلة في أن الاقتراض لا يذهب كله إلى استثمار منتج يخلق دخلا مستقبليا، لأن جزءا كبيرا من التمويل يذهب لتغطية التزامات قائمة وسداد أعباء سابقة، وبذلك تدور الموازنة داخل حلقة دين جديدة، بينما لا يرى المواطن تحسنا واضحا في الخدمات العامة أو فرص العمل.
لذلك يرى الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن توسع الحكومات في الاستدانة يضع القرار الاقتصادي تحت ضغط الدائنين ويؤجل كلفة السياسات الحالية إلى سنوات لاحقة، وهذا الرأي يفسر خطورة تحول الاقتراض إلى مصدر تمويل رئيسي بدل أن يكون استثناء مرتبطا بمشروعات واضحة العائد.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو موازنة 2024/2025 وثيقة ضبط مالي بقدر ما تبدو وثيقة إدارة أزمة، لأن الحكومة ترفع حجم الاقتراض لتغطية فجوة قائمة، ثم تعلن أهدافا لخفض الدين من دون أن تقدم مسارا قابلا للقياس يقلل الحاجة إلى أذون وسندات جديدة.
الضرائب ترتفع والمنح تختفي والإيرادات غير الضريبية لا تكفي
بعد ذلك، تأتي الضرائب في المركز الثاني بنسبة 43.2% من إجمالي الموارد، مع استهداف حصيلة تتجاوز 2 تريليون جنيه، وهذا الرقم يوضح أن الحكومة تطارد السيولة من جيوب المواطنين والشركات، بينما لا تقدم إصلاحا موازيا يخفض عبء الدين أو يوسع قاعدة الإنتاج الحقيقي.
في المقابل، تستهدف الإدارة المالية نموا في الضرائب بنسبة 32.1% مقارنة بالعام السابق، وهذا النمو لا يحدث في فراغ اجتماعي، لأنه يأتي في وقت يتحمل فيه المواطنون موجات تضخم وارتفاع رسوم وأسعار خدمات، ما يجعل الضريبة أداة ضغط معيشية عندما لا تقابلها جودة أعلى في التعليم والصحة والنقل.
كما تظهر الإيرادات الأخرى بنسبة 6.2% فقط من الموارد، وتشمل أرباح هيئات اقتصادية وفوائد استثمارية وحصيلة بيع خدمات، لكن هذه النسبة تكشف ضعف قدرة أصول الدولة على توليد موارد كافية، لأن الحكومة تمتلك كيانات واسعة ثم تعود إلى الضرائب والاقتراض لسد الفجوة الأساسية.
ومن ناحية المنح الخارجية، تقف النسبة عند 0.2% فقط من إجمالي الموارد، وهذا التراجع يثبت أن الحكومة لم تعد تملك هامشا خارجيا يخفف الضغط، كما أن الاعتماد على الاقتراض المحلي والخارجي يصبح البديل العملي، رغم أن هذا البديل يرفع كلفة خدمة الدين ويضغط على الموازنة المقبلة.
وبالتزامن مع ذلك، يؤكد الباحث الاقتصادي وائل جمال في مداخلاته حول العدالة الضريبية أن المشكلة لا تكمن في رفع الحصيلة وحدها، بل في من يدفع الضريبة ومن يستفيد من الإنفاق، وهذا الطرح يكشف خللا حكوميا عندما تزيد الضرائب بينما تتراجع قدرة الخدمات على حماية الفئات الأضعف.
عجز واسع وفائض أولي لا يحجب كلفة الدين
لاحقا، تكشف أرقام الموازنة أن إجمالي المصروفات يبلغ 3.9 تريليون جنيه، بينما تقف الإيرادات عند 2.6 تريليون جنيه، وهذا الفارق يفسر وصول العجز الكلي المتوقع إلى 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم إعلان الحكومة استهداف فائض أولي بنسبة 3.5%.
ومع ذلك، لا يعني الفائض الأولي أن الوضع المالي آمن، لأنه يستبعد فوائد الدين من الحساب الأساسي، بينما تمثل الفوائد العبء الأثقل على الإنفاق العام، ولذلك تستطيع الحكومة إعلان فائض أولي في الوقت الذي تحتاج فيه إلى اقتراض ضخم لتمويل العجز وسداد الالتزامات.
كذلك تستهدف الجداول المالية خفض الدين العام إلى 85% بنهاية السنة المالية، لكن هذا الهدف يصطدم بحقيقة أن الموازنة نفسها تعتمد على الاقتراض كمصدر أول للموارد، فخفض نسبة الدين يحتاج إلى نمو حقيقي وإيرادات مستدامة لا إلى تدوير مستمر للأوراق المالية وسداد ديون بديون أخرى.
وبخصوص متحصلات الإقراض ومبيعات الأصول المالية، تبلغ النسبة نحو 1.3% من الموارد، وهذا الرقم يشير إلى تراجع الاعتماد المباشر على الخصخصة في التمويل السنوي، لكنه لا ينفي استمرار سياسة بيع الأصول كخيار حكومي عند اشتداد الحاجة إلى الدولار أو تقليل ضغط الالتزامات.
في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن أزمة الموازنة المصرية ترتبط باتساع فوائد الدين وضعف الموارد الإنتاجية، وهذا التقدير يضع العجز الحالي في سياقه الصحيح، لأن الحكومة لا تواجه نقصا حسابيا فقط، بل تواجه نموذجا ماليا يستهلك الإيرادات قبل أن تصل إلى الخدمات.
وفي النهاية، تكشف موازنة 2024/2025 أن الحكومة تطلب من المواطنين دفع ضرائب أكبر، وتطلب من الأسواق إقراضها أكثر، ثم تقدم خفض الدين كهدف مؤجل، بينما تظل المصروفات أعلى من الإيرادات والعجز قائما والاقتراض في الصدارة، لذلك يبقى السؤال السياسي والاقتصادي واضحا: من سيدفع ثمن هذه الموازنة غير المواطن الذي لا يملك سندات ولا إعفاءات ولا سلطة على القرار.

