رحل البطل أحمد حسانين، أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، وصاحب الصورة الشهيرة التي وثقت فرحة الجنود المصريين أثناء المعركة، بعد مسيرة ارتبطت بواحدة من أهم اللحظات في التاريخ المصري الحديث. ويعيد رحيله إلى الواجهة صورة ظلت حاضرة في ذاكرة المصريين، لأنها اختصرت مشاعر النصر ورفعت من قيمة الجندي الذي صنع الحدث ولم يبحث عن الأضواء.

 

لم يكن أحمد حسانين اسمًا عابرًا في سجل المحاربين القدامى، بل كان شاهدًا حيًا على لحظة عبور فاصلة أعادت للجيش المصري ثقته وكرامته بعد سنوات من الهزيمة والانتظار،ومع أن صورته سبقت اسمه في الانتشار، فإن رحيله يمنح المصريين فرصة لاستعادة الحكاية كاملة، من ميدان القتال إلى مدينة العاشر من رمضان، حيث عاش بهدوء وحافظ على مكانته بين الناس.

 

الصورة التي صنعت رمزًا وطنيًا

 

ارتبط اسم أحمد حسانين بالصورة التي ظهر فيها وهو يرفع يديه بفرح وحماس وسط أجواء المعركة، بعد الضربات الجوية المصرية وعبور القوات خط بارليف. وقد بدت اللقطة كأنها تلخص مشاعر جيل كامل من الجنود الذين قاتلوا تحت ضغط الخطر، ثم رأوا بأعينهم بداية تحقق النصر.

 

لم تكن الصورة مجرد مشهد عسكري موثق، لكنها أصبحت مع مرور السنوات جزءًا من الذاكرة البصرية المصرية. فقد استخدمتها وسائل إعلام كثيرة في ذكرى حرب أكتوبر، واستدعتها الاحتفالات الرسمية والشعبية باعتبارها علامة على الروح المعنوية العالية التي صاحبت الجنود خلال المعركة.

 

وتحمل الصورة قيمة خاصة لأنها لم تُظهر قائدًا على منصة أو خطابًا رسميًا، بل أظهرت جنديًا مصريًا في لحظة إنسانية مباشرة. وقد منح هذا البعد الإنساني الصورة قوة استثنائية، لأنها قرّبت معنى النصر من الناس، وجعلته مرتبطًا بوجه جندي بسيط عاش الخوف والأمل والفرح في وقت واحد.

 

ومع تداول الصورة على مدى عقود، بقي اسم أحمد حسانين أقل حضورًا من ملامحه. وهذا ما يحدث كثيرًا مع أبطال الحروب الذين تصنع وجوههم ذاكرة الأمم، بينما تبقى تفاصيل حياتهم الشخصية بعيدة عن الضوء. غير أن رحيله أعاد الاسم إلى الصورة، وأعاد القصة إلى صاحبها.

 

من ميدان الحرب إلى ذاكرة المصريين

 

شارك أحمد حسانين في العمليات العسكرية خلال حرب أكتوبر 1973، وهي الحرب التي مثلت نقطة تحول في التاريخ المصري والعربي. فقد أعادت الحرب الاعتبار للقوات المسلحة المصرية، وأثبتت قدرة الجندي المصري على تنفيذ عملية عسكرية معقدة، بعد سنوات من الاستعداد والتدريب والعمل الصامت.

 

وفي تلك الأيام، لم يكن الجنود يعرفون أن بعض لحظاتهم ستتحول لاحقًا إلى رموز وطنية. كان كل جندي يؤدي دوره داخل ساحة حرب شديدة الخطورة، بينما كانت مصر كلها تترقب أخبار الجبهة. لذلك حملت صورة حسانين قيمة مضاعفة، لأنها جاءت من قلب المعركة لا من خارجها.

 

وقد ظلت اللقطة الشهيرة شاهدة على الحالة النفسية التي عاشها الجنود بعد عبور خط بارليف. فقد كان العبور حدثًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، لكنه كان أيضًا لحظة استعادة ثقة لجيل كامل. وجاءت فرحة حسانين في الصورة لتقول ما لم تكن البيانات العسكرية وحدها قادرة على قوله.

 

ومع مرور الزمن، أصبحت الصورة جزءًا من الدروس المدرسية والمواد الإعلامية والاحتفالات السنوية بذكرى أكتوبر. واستطاعت أن تحافظ على حضورها لأنها لا تحتاج إلى شرح طويل. فالجندي الذي يرفع يديه مبتهجًا يقدم رسالة واضحة عن معنى الانتصار حين يصنعه رجال عاديون بإرادة استثنائية.

 

وداع هادئ في العاشر من رمضان

 

عاش أحمد حسانين سنوات طويلة بعد الحرب في مدينة العاشر من رمضان، حيث عرفه الأهالي باعتباره أحد أبطال أكتوبر ورجلًا بسيطًا يحتفظ بتجربته الوطنية دون صخب. وقد منحته هذه الحياة الهادئة مكانة خاصة بين أبناء مدينته، الذين رأوا فيه شاهدًا على مرحلة لا تزال حاضرة في الوجدان العام.

 

ومن المقرر أن تقام صلاة الجنازة على جثمانه في مدينة العاشر من رمضان، قبل تشييعه إلى مقابر الروبيكي. وينتظر أن تشهد مراسم الوداع حضورًا من الأهالي وعدد من المحاربين القدامى والشخصيات العامة، في مشهد يعبر عن تقدير المجتمع لمن شاركوا في حرب أكتوبر.

 

ويمثل هذا الوداع امتدادًا طبيعيًا لسيرة رجل لم يسع إلى الشهرة رغم أن صورته أصبحت مشهورة. فقد ظل حسانين نموذجًا للمحارب القديم الذي عاد إلى حياته المدنية بعد أداء واجبه، وترك للتاريخ صورة واحدة تكفي لتخليد حضوره بين المصريين.

 

وقد نعاه أبناء مدينته بكلمات مؤثرة، مؤكدين أن رحيله يمثل خسارة لأحد الشهود الأحياء على لحظة مهمة من تاريخ مصر. ولم يكن الحزن على رحيله مرتبطًا بشخصه فقط، بل ارتبط أيضًا برحيل شاهد من جيل حمل عبء الحرب وترك للأجيال الجديدة ذاكرة مكتوبة بالدم والتضحية.

 

في النهاية، يغادر أحمد حسانين الحياة ويبقى أثره حاضرًا في صورة لا تزال قادرة على تحريك مشاعر المصريين. فقد جمعت تلك الصورة بين فرحة الجندي وكرامة الوطن وذكرى النصر، وستظل شاهدة على أن بطولات أكتوبر لم يصنعها القادة وحدهم، بل صنعها جنود حملوا السلاح وآمنوا بقدرة مصر على العبور.