كشفت بيانات البنك الدولي عن أرقام صادمة لما ينفقه المصريون على العلاج حيث وصل الإنفاق المباشر من جيوب الأسر في مصر إلى 57.2% من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري خلال 2023، في بلد ما زال دستوره يلزم الدولة بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي للصحة، بينما يبقى الوصول إلى العلاج محكوما بقدرة الأسرة على الدفع لا بثبات الحق.
ربطت هذه الأرقام بين الأزمة الصحية والاختيارات السياسية في القاهرة، لأن المريض لا يواجه فقط نقصا في الخدمة أو بطئا في الإجراءات، بل يواجه نظاما ينقل كلفة المرض إلى الأسرة في لحظة ضعفها، ثم يتركها فريسة أمام سوق طبي خاص يحكمه مبدأ التجارة والمكسب وليس الرسالة الإنسانية ويتوسع كلما تراجعت الحماية العامة وانكمش الإنفاق العادل.
فاتورة العلاج حين تسبقها الموازنة
وبحسب هذا المسار، لا تبدو أزمة العلاج في مصر مسألة طبية منفصلة عن المال العام، لأن الأسرة تدخل إلى المستشفى بعد أن تكون الموازنة قد قررت أولوياتها سلفا، وعندما تكون أولوية الدولة هي خدمة الدين الخارجي على حساب الإنفاق الاجتماعي، يصبح انتقال العبء إلى جيب المريض نتيجة مباشرة لا حادثا جانبيا داخل المنظومة.
ثم يظهر الخلل بوضوح حين تتجاور نصوص الدستور مع أرقام الواقع، فالدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، حذر من أن تحميل المواطنين أعباء إضافية في العلاج يتعارض مع الحق الدستوري في الصحة، وربط بين اتساع الفجوة التمويلية وبقاء شريحة كبيرة خارج حماية تأمينية فعالة.
في المقابل، لا تقف المشكلة عند حدود ارتفاع التكلفة، بل تمتد إلى طريقة تقديمها للمريض، إذ تتحول عبارة مثل "نسبة تحمل" إلى باب مفتوح للالتباس عندما لا يُعلن أساس الحساب قبل الخدمة، وعندما تغيب الفاتورة المفصلة بعد العلاج، يفقد المريض قدرته على المراجعة والمساءلة ويصبح الدفع أقرب إلى الإذعان.
الأجر الناقص والحماية الأقل
ومن هنا، يبدأ جزء مهم من الأزمة قبل الوصول إلى المستشفى، لأن تسجيل العامل بأجر تأميني أقل من دخله الحقيقي لا يبقى مخالفة ورقية محدودة، بل ينعكس على مسار الحماية نفسه، فالرقم المسجل يحدد اشتراكات ومزايا واستحقاقات، وعندما يكون هذا الرقم ناقصا، تأتي المظلة أضيق من الحاجة.
كذلك، دعمت الباحثة رانيا رشدي والباحثة إيرين سلوى السلوانس هذا المعنى في دراسات عن سوق العمل المصري، إذ وثقتا اتجاها قائما إلى نقص التغطية التأمينية وتسجيل أجور تأمينية أدنى من الأجر الفعلي، وهو ما يعني أن العامل يدخل لحظة المرض وهو محمل من البداية بحماية مبتورة ومركز تفاوض أضعف.
وعندئذ، يصبح الجمع بين أجر مؤمن عليه أقل من الحقيقي وفاتورة علاج غير واضحة وصفة جاهزة لإفقار المريض، لأن الأسرة لا تعرف فقط أنها ستدفع، بل تجهل أيضا لماذا تدفع هذا الرقم تحديدا، وهل احتسبت مساهمتها على سعر تعاقدي حقيقي أم على سعر معلن أعلى لا يراعي قدرتها.
لاحقا، لا يعود السؤال متعلقا بجودة الخدمة وحدها، بل بعدالتها الإجرائية أيضا، فالمريض في أضعف لحظاته لا يملك رفاهية تفكيك الأكواد الطبية أو مراجعة التسعير أو الاعتراض على بند مبهم، ولهذا يصبح إعلان التكلفة المتوقعة كتابة قبل العلاج جزءا من الحق نفسه لا تفصيلا إداريا ثانويا.
حين يبتعد الطبيب ويقترب الوهم
أما حين تتراكم الكلفة والغموض معا، فإن السوق لا يترك هذا الفراغ بلا بدائل، إذ تتقدم الوصفات السريعة ونصائح غير المختصين والعلاج المؤجل بوصفها خيارات أقل سعرا وأسرع وصولا، لا لأنها أكثر علمية، بل لأنها أقل كلفة في بلد صار فيه الطريق الرسمي إلى الطبيب مزدحما بالحواجز المالية.
بعد ذلك، يكتسب كلام الباحث الراحل الدكتور سامر سليمان دلالة مباشرة في قراءة المشهد، لأنه تعامل مع الموازنة بوصفها وثيقة سياسية تعكس موازين القوة داخل المجتمع، وعندما تكشف الأرقام أن خدمة الدين تلتهم المساحة الأكبر، يصبح مفهوما لماذا يتراجع الإنفاق الذي يحمي المواطن حين يمرض.
في هذا السياق، لا تكفي حملات التوعية ضد الخرافة إذا بقيت كلفة التشخيص والفحص والدواء أعلى من قدرة شرائح واسعة من الناس، لأن المواطن لا يهرب من الطبيب بسبب رفضه العلم، بل بسبب عجزه عن تحمل الطريق إليه، وكلما زادت الرسوم المباشرة، صار الوهم أقرب من الخدمة المنضبطة.
وعليه، يبدأ الإصلاح من قواعد قابلة للقياس لا من وعود عامة، أولها إعلان التكلفة المتوقعة كتابة قبل تقديم الخدمة، وثانيها إلزام الجهات الممولة ومقدمي الخدمة بربط مساهمة المريض بالسعر التعاقدي الفعلي لا بالسعر الأعلى المعلن، وثالثها فرض سقف سنوي للإنفاق المباشر على أصحاب الدخول المحدودة والأمراض المزمنة.
أخيرا، لا تنفصل هذه القواعد عن ضرورة إعادة الاعتبار للرعاية الأولية والكشف المبكر ومسار الإحالة الواضح، لأن المنظومة التي تؤخر الوقاية تدفع لاحقا كلفة أكبر في العلاج، لكن المريض يدفع الثمن أولا من جيبه وصحته وكرامته، وحين يحدث ذلك لا يعود المرض شأنا طبيا فقط، بل يصبح دليلا مباشرا على خلل العدالة نفسها.

