كشفت لعبة عض الأصابع بين إيران وأمريكا أن الدول العربية تقف في قلب أزمة لا تملك قرارها، فقد تحركت واشنطن وطهران وفق حسابات القوة والردع، بينما تعاملت عواصم عربية كثيرة مع التصعيد كملف خارجي، رغم أن نتائجه تضرب أمن الخليج والملاحة والطاقة والأسواق مباشرة.

 

وأظهر هذا الموقف أن الضعف العربي لم يعد مجرد غياب عن طاولة التفاوض، بل صار قبولا عمليا بأن تقرر القوى المتصارعة شكل الإقليم، لأن كل تهديد أمريكي أو رد إيراني يضع الموانئ والمطارات والقواعد والممرات البحرية العربية تحت ضغط مباشر، ثم ينتقل الأثر إلى المواطن في صورة أسعار أعلى وقلق أمني أوسع.

 

قرار الغياب العربي أمام تصعيد لا ينتظر أحدًا

 

أوضح التصعيد الأخير أن الدول العربية اختارت سياسة تقليل الخسائر بدل سياسة منع الخطر، فقد صدرت بيانات تدعو إلى التهدئة وتجنب الحرب، لكن هذه البيانات لم تتحول إلى موقف جماعي يفرض على واشنطن وطهران احترام أمن المنطقة، لذلك بقي العرب في موقع المتلقي لا في موقع الطرف المؤثر.

 

ولفت الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله إلى أن أمن الخليج يحتاج قرارا جماعيا على مستوى القادة، لأن الخطر الإيراني لا يمكن التعامل معه بقرارات منفردة، وهذا التقدير يكشف أن المشكلة ليست في قوة إيران وحدها، بل في بطء القرار العربي أمام أزمة تتحرك بسرعة أكبر من بيانات العواصم.

 

وفي ظل هذا البطء، تحولت الدول العربية إلى ساحة ضغط بين الأطراف الثلاثة، فواشنطن تستخدم وجودها العسكري لحماية مصالحها، وطهران تستخدم أوراقها الإقليمية لرفع كلفة الضغط عليها، وتل أبيب تستثمر التصعيد لفرض شروط أمنية أوسع، بينما تكتفي العواصم العربية بحساب كلفة كل ضربة بعد وقوعها.

 

تفاصيل الخسارة من الخليج إلى الداخل العربي

 

يبين موقع الخليج في هذه الأزمة أن العرب ليسوا خارج المعركة، لأن النفط والغاز والممرات البحرية تجعل أي تصعيد مع إيران أزمة عربية مباشرة، فأي اضطراب في الملاحة يرفع كلفة النقل والتأمين، ثم تضغط هذه الزيادة على الأسواق العربية التي تعاني أصلا من أزمات معيشية ومالية متراكمة.

 

وأكدت هذه التفاصيل أن المواطن العربي هو الطرف الأخير في سلسلة الخسارة، لأن الحكومات التي لا تملك قرار وقف التصعيد تضطر إلى تمويل الأمن وطمأنة الأسواق وتحمل تراجع الاستثمارات، ثم يواجه الناس ارتفاع الأسعار وضعف الخدمات وقلق المستقبل، وهذا يجعل الأزمة السياسية تتحول بسرعة إلى أزمة اجتماعية.

 

كما يرى وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر أن الحرب على إيران تكشف غياب الرؤية الأمريكية واستدراجا إسرائيليا لواشنطن، وهذا الرأي يضع العرب أمام نتيجة خطيرة، لأن الفراغ العربي يمنح إسرائيل قدرة أكبر على توسيع هامشها العسكري والسياسي داخل الإقليم.

 

وفي موازاة ذلك، يصبح الأردن والعراق وسوريا ولبنان واليمن أكثر انكشافا أمام ارتدادات الصراع، لأن هذه الساحات تحمل نفوذا إيرانيا أو حضورا أمريكيا أو ضغطا إسرائيليا، ولذلك لا تستطيع أي دولة عربية الادعاء أن الأزمة بعيدة عنها، فكل مسار للتصعيد يجد طريقه إلى حدود عربية أو سماء عربية أو سوق عربية.

 

الخلفية السياسية تكشف حجم الفاتورة

 

أشار أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة إلى أن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران له جذور ممتدة منذ عام 1979، وأن الحرب الحالية ترتبط بتحولات أوسع في النظام الدولي والإقليمي، وهذا التوصيف يوضح أن الأزمة ليست حادثا عابرا بل مسارا طويلا يدور حول النفوذ والقوة والقرار.

 

ويؤكد هذا السياق أن الدول العربية أخطأت عندما تعاملت مع الأزمة كأنها مواجهة بين خصمين بعيدين، لأن تاريخ الصراع أثبت أن كل جولة بين إيران وأمريكا تنتهي بتغيير في قواعد الأمن العربي، إما عبر قواعد عسكرية أكبر، أو تسويات ناقصة، أو نفوذ إيراني أوسع، أو شروط إسرائيلية أشد.

 

وفي ظل هذه الخلفية، تبدو الخسارة العربية مركبة، فالعرب لا يريدون حربا إقليمية ولا يملكون أدوات كافية لمنعها، ولا يريدون هيمنة إيرانية ولا يملكون مشروعا موحدا لردعها، ولا يريدون ارتهانا أمريكيا كاملا ولا يملكون بديلا أمنيا عربيا يحمي المصالح بعيدا عن قرارات الخارج.

 

ويؤكد هذا الوضع أن الأزمة تسير من قرار الآخرين إلى تفاصيل الخسارة العربية، ثم إلى تفسير واضح سببه غياب الفعل الجماعي، ثم إلى خلفية طويلة صنعتها سنوات الاعتماد على الخارج، وفي النهاية تظهر النتيجة القاسية، وهي أن العرب يدفعون الثمن لأنهم تركوا غرفة القرار مفتوحة لغيرهم.

 

واخيرا تكشف لعبة عض الأصابع بين إيران وأمريكا أن الدول العربية لن تنجو بالحياد اللفظي ولا ببيانات القلق، لأن المنطقة تدخل هاوية جديدة كلما قرر الآخرون التصعيد فوق ممراتها وحول حدودها، ومن لا يملك قرار الأزمة سيبقى أكثر الخاسرين عند كل تهديد وكل ضربة وكل تسوية.