أعلنت وزارة النقل بدء تشغيل المرحلة الأولى من مونوريل شرق النيل أمام الركاب يوم الأربعاء 6 مايو 2026، في المسافة الممتدة من محطة المشير طنطاوي حتى محطة مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية، مع تشغيل يومي من 6 صباحا حتى 6 مساء، ليصبح المشروع أمام اختبار الاستخدام الحقيقي بعد سنوات من الدعاية الرسمية عن النقل الذكي.
وجاء القرار بعد إنفاق واسع على مشروعات الجر الكهربائي والطرق الجديدة، لكن توقيت التشغيل يضع الحكومة أمام سؤال واضح عن قدرة الخدمة على جذب المواطنين لا الاكتفاء بصورة افتتاحية، لأن نجاح المونوريل لا تقيسه المحطات الحديثة وحدها، بل تقيسه كثافة الركاب وسعر التذكرة وسهولة الوصول من الأحياء العادية إلى الأرصفة.
تشغيل محدود يفتح ملف الجدوى
أوضح بيان التشغيل أن المرحلة الأولى تضم 16 محطة تبدأ من المشير طنطاوي وتمر بمناطق وان ناينتي والمستشفى الجوي والنرجس والمستثمرين واللوتس وجولدن سكوير وبيت الوطن، ثم تمتد نحو مسجد الفتاح العليم والأحياء السكنية ومناطق المال والأعمال والفنون والثقافة والحكومة ومسجد مصر ومدينة العدالة.
ولفت هذا الامتداد إلى أن المشروع يخدم مسارا شديد الارتباط بالعاصمة الإدارية والقاهرة الجديدة، وهو ما يجعل فائدته اليومية مرهونة بحجم الحركة الفعلية إلى تلك المناطق، لأن خطا حديثا بلا ركاب كافيين يتحول إلى عبء مالي جديد، بينما تتحمل الخزانة والمواطن تكلفة التشغيل والصيانة في وقت اقتصادي ضاغط.
وفي ظل هذا الاختبار، يرى الدكتور عبد الله أبو خضرا أستاذ هندسة الطرق بجامعة بني سويف أن المونوريل يمثل خطوة متقدمة في النقل الأخضر ويرتبط بفكرة تخفيف زمن الرحلات بين المدن الجديدة، غير أن هذا الرأي يظل مشروطا بوجود تكامل حقيقي مع وسائل النقل الأخرى لا بترك الراكب يبحث عن مواصلة إضافية بعد النزول.
ويؤكد هذا الشرط أن تشغيل 16 محطة ليس نهاية القصة، لأن أي وسيلة نقل جماعي تحتاج إلى شبكة تغذية من أتوبيسات ومسارات مشاة ومواقف منظمة، فإذا غاب هذا الربط تحولت المحطات إلى نقاط معزولة فوق محاور واسعة، ووجد المواطن نفسه أمام خدمة حديثة في الشكل وصعبة في الاستخدام اليومي.
محطات حديثة لكن المواطن ينتظر التكلفة
أشار البيان إلى أن قطارات المونوريل مكيفة ومزودة بممرات آمنة وكاميرات مراقبة وشاشات عرض وخرائط مضيئة وأماكن مخصصة لذوي الهمم، وهي تجهيزات ضرورية في وسيلة نقل جديدة، لكنها لا تكفي وحدها لحسم موقف الجمهور، لأن المواطن يقارن دائما بين السعر والوقت والمسافة التي يقطعها للوصول إلى المحطة.
كما يرى الدكتور حسن مهدي أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس أن مشروعات النقل الجماعي أصبحت ضرورة مع توسع القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية، ويؤكد أن المونوريل جزء من منظومة الجر الكهربائي داخل المدن، لكن الضرورة هنا لا تمنح الحكومة شيكا مفتوحا، بل تلزمها بإعلان تكلفة التشغيل والعائد وعدد الركاب المتوقع.
وفي موازاة المواصفات الفنية، تكشف ساعات التشغيل من 6 صباحا حتى 6 مساء عن بداية حذرة لا تغطي كامل اليوم، وهذا يضع علامات استفهام حول خدمة الموظفين والطلاب والمترددين على العاصمة الإدارية مساء، لأن النقل الجماعي لا يحقق هدفه إذا انتهى قبل انتهاء حركة العمل والخدمات في مناطق يفترض أنها نشطة.
ويبين هذا القيد أن المشروع يحتاج إلى تقييم سريع بعد الأسابيع الأولى، فالحكومة تستطيع قياس الإقبال الفعلي وتعديل زمن التشغيل وتوفير خطوط تغذية وربط أوضح بمحطة مدينة الفنون والثقافة التي تتبادل الخدمة مع القطار الكهربائي الخفيف، أما الاكتفاء بعبارات التطوير وجودة الحياة فلن يحل مشكلة الركاب على الأرض.
نقل أخضر تحت رقابة سؤال الأولويات
أكدت وزارة النقل أن المونوريل وسيلة كهربائية صديقة للبيئة تقلل الوقود والانبعاثات والضوضاء، وهذه مزايا فنية مهمة في مدينة تعاني من زحام وتلوث، لكن السؤال السياسي والاقتصادي يبقى قائما، هل اختارت الحكومة المشروع وفق احتياجات النقل اليومية للملايين أم وفق أولوية خدمة امتدادات عمرانية باهظة الكلفة.
ويرى الدكتور أسامة عقيل أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس أن غياب إتاحة دراسات الجدوى للخبراء يضع مشروعات مثل المونوريل تحت سؤال العائد والتكلفة، ويؤكد أن المفاضلة بين وسائل النقل يجب أن تنظر إلى تكلفة نقل المواطن لمسافة كيلومتر واحد، لا إلى الشكل الهندسي للمشروع ولا إلى حجم الدعاية المصاحبة له.
وفي ظل هذا الطرح، يصبح تشغيل شرق النيل فرصة لاختبار كلام الحكومة بالأرقام، فإذا أعلنت الوزارة أعداد الركاب اليومية ونسب الإشغال والتكلفة التشغيلية وسعر الرحلة بصورة شفافة، يستطيع الرأي العام تقييم المشروع، أما إذا بقيت البيانات مغلقة فسيظل المونوريل مشروعا لامعا فوق الأرض وغامضا في حسابات الجدوى.
وأشار واقع النقل في القاهرة إلى أن المواطن لا يرفض الوسائل الحديثة، لكنه يرفض أن تتحول مشروعات النقل إلى واجهات مكلفة لا تعالج أزمته الأساسية، فالمطلوب أن تربط الخدمة بين البيت والعمل بتكلفة محتملة ووقت أقصر، لا أن تقدم محطة أنيقة بعيدة عن مسار حياته اليومية ومتصلة أساسا بمناطق الأغلى سعرا.
واخيرا يؤكد تشغيل المرحلة الأولى أن الدولة دخلت مرحلة جديدة من مشروعات النقل المرتبطة بالعاصمة الإدارية، لكن الحكم النهائي لن يصدر من بيانات الوزارة ولا من صور القطارات، بل من طوابير الركاب ومن قدرة الخدمة على تخفيف الطريق فعلا، فإذا غابت الشفافية وتغذية المحطات بقي المشروع شاهدا جديدا على إنفاق كبير ونتيجة محدودة.

