حذرت وزارة الصحة في قطاع غزة يوم الخميس 7 مايو 2026 من نفاد 47% من الأدوية الأساسية و87% من مواد الفحص المخبري و59% من المستهلكات الطبية، مؤكدة أن المؤشرات الصفرية تضرب المستشفيات والمراكز الصحية وتدفع المرضى إلى خطر مباشر تحت حصار إسرائيلي مستمر.

 

تكشف هذه الأرقام أن الإبادة الإسرائيلية لم تقف عند القصف والقتل المباشر، بل امتدت إلى منع الدواء والفحص والغذاء والوقود، فصار المريض في غزة يواجه الموت مرتين، مرة تحت النار ومرة داخل مستشفى عاجز عن توفير علاج سرطان أو جلسة كلى أو تحليل دم أساسي.

 

نفاد الأدوية يحول المرضى إلى ضحايا للحصار لا المرض فقط

 

بعد بيان وزارة الصحة، بدا القطاع الصحي أمام انهيار دوائي شامل، لأن نفاد 47% من الأدوية الأساسية لا يعني نقصًا في صنف عابر، بل يعني تعطيل علاج أمراض مزمنة وخطيرة يحتاج أصحابها إلى جرعات منتظمة لا تحتمل التأجيل أو الاستبدال العشوائي.

 

في المقابل، جاءت خدمات علاج السرطان وأمراض الدم والرعاية الأولية وغسيل الكلى والصحة النفسية ضمن القطاعات الأكثر تضررًا، وهذا التحديد يكشف أن الحصار لا يستهدف جبهة عسكرية، بل يضرب مرضى ضعفاء يحتاجون علاجًا طويلًا ومتابعة يومية داخل نظام صحي منهك.

 

لذلك، يخدم رأي الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة هذا المحور بوضوح، لأنه عاين جراح غزة منذ بداية الحرب وتحدث عن انهيار القدرة الطبية أمام الإصابات الجماعية، وتضيف أزمة الدواء الحالية دليلًا جديدًا على أن الاحتلال يحول المستشفى إلى مكان عاجز عن إنقاذ من يصل إليه.

 

كما أن نقص المستهلكات الطبية اللازمة لجراحات العيون والقسطرة القلبية وغسيل الكلى يعني تعطيل تدخلات لا يمكن وصفها بالكمالية، لأن القسطرة قد تنقذ مريض قلب، وغسيل الكلى يبقي مريضًا حيًا، وجراحة العين قد تمنع إعاقة دائمة في مجتمع فقد آلاف المصابين.

 

وبذلك، لا يصح التعامل مع الأزمة كملف إمداد إنساني فقط، لأن إسرائيل تفرض شروط بقاء قاسية على المدنيين عبر التحكم في دخول الدواء والوقود والمستلزمات، بينما يكتفي العالم بإحصاء النسب الصفرية بدل فرض ممر طبي آمن ومستمر.

 

المختبرات تفقد قدرتها على التشخيص والمستشفيات تعمل بلا أدوات

 

ثم تكشف نسبة 87% من مواد الفحص المخبري التي وصلت أرصدتها إلى الصفر حجم العجز الخفي داخل المستشفيات، لأن الطبيب لا يستطيع اتخاذ قرار علاجي دقيق بلا تحليل دم شامل أو فحص غازات الدم أو كيمياء سريرية توضح حالة الكلى والكبد والأملاح والالتهابات.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح نقص مواد الفحص تهديدًا مباشرًا للتشخيص وليس تفصيلًا إداريًا داخل المخازن، لأن المريض قد يصل إلى المستشفى حيًا ثم يفقد فرصة العلاج الصحيح بسبب غياب تحليل بسيط، فيتحول الحصار إلى خطأ طبي مفروض على الطواقم بالإكراه.

 

كذلك، يدعم تصريح حنان بلخي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية هذا المحور، لأنها حذرت سابقًا من انخفاض حاد في المخزونات الطبية بغزة ومن نقص أدوات أساسية مثل الشاش والإبر ومستلزمات الإصابات، وهو ما ينسجم مع إعلان وزارة الصحة عن اتساع المؤشرات الصفرية.

 

ومن هنا، يصبح حديث الاحتلال عن السماح بدخول مساعدات محدودة خداعًا عمليًا، لأن المستشفى لا يعمل بشاحنة عابرة أو تصريح إعلامي، بل يحتاج تدفقًا يوميًا منتظمًا من الأدوية والوقود والمحاليل والمواد المخبرية وقطع الغيار حتى يستطيع استقبال الجرحى والمرضى بلا انهيار.

 

بناء على ذلك، تتضاعف معاناة الطواقم الطبية التي تعمل تحت ضغط القصف والنزوح ونقص الكهرباء، لأن الطبيب والممرض لا يواجهان فقط كثافة المصابين، بل يواجهان قرارًا قاسيًا بين مريضين لا تكفي لهما المستلزمات، وبين فحص ضروري لا توجد مواده في المختبر.

 

وقف إطلاق النار بلا دواء يمدد الإبادة بوسائل أبطأ

 

في سياق أوسع، تواصل إسرائيل خروقات اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025 عبر القصف وإطلاق النار، وقد سجلت وزارة الصحة مئات الشهداء وآلاف المصابين منذ بدء الاتفاق، وهو ما يؤكد أن وقف النار لم يتحول إلى حماية فعلية للمدنيين ولا إلى فتح آمن للمستشفيات.

 

إضافة إلى ذلك، بلغت حصيلة الحرب أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح منذ أكتوبر 2023، بينما طال الدمار الواسع البنية المدنية والصحية، وأصبح نحو 1.5 مليون فلسطيني بلا مأوى داخل قطاع محاصر منذ 2007.

 

ومن هذه الزاوية، تخدم فرانشيسكا ألبانيز هذا المحور بقوة، لأنها وصفت ما يجري في غزة ضمن إطار الإبادة الجماعية وسياسة التدمير الممنهج، وتضع أزمة الدواء والمختبرات داخل سياق أوسع من تجريد السكان من شروط الحياة لا مجرد إخفاق إغاثي.

 

بالتوازي، لا ينفصل نقص الدواء عن منع إدخال كميات كافية من الغذاء ومواد الإيواء والمنازل الجاهزة، لأن المريض الذي يغادر المستشفى لا يجد بيتًا آمنًا ولا غذاءً كافيًا ولا ماءً نظيفًا، وبذلك تتحول رحلة العلاج إلى حلقة مغلقة من المرض والجوع والنزوح.

 

لذلك، تبدو دعوة وزارة الصحة إلى تدخل دولي عاجل اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا للمؤسسات الدولية، لأن استمرار المؤشرات الصفرية يعني أن كل يوم تأخير يضيف مضاعفات ووفيات يمكن منعها، وأن الصمت لا يراقب الكارثة بل يمنحها وقتًا أطول للانتشار.

 

ختامًا، تفضح أزمة الأدوية والفحوصات في غزة حقيقة الإبادة الإسرائيلية بعد عامين من القتل والحصار، فالقصف يقتل أمام الكاميرات والحرمان الطبي يقتل داخل الأسرّة بصمت، وحين تنفد الأدوية وتتعطل المختبرات ويقف العالم عند بيانات القلق، يصبح إنقاذ المستشفيات واجبًا عاجلًا لا بيانًا إنسانيًا مؤجلًا.