كشفت أجهزة وزارة الداخلية في محافظة الشرقية، ضبط مصنع غير مرخص في نطاق مركز بلبيس لإنتاج وتعبئة الأسمدة والمخصبات والمبيدات الزراعية المغشوشة، بعد العثور على نحو 380 طنًا من المنتجات النهائية والمواد الخام مجهولة المصدر وخط إنتاج كامل داخل المنشأة.

 

تضع الواقعة الفلاح المصري أمام خطر مزدوج، لأن الحكومة تنفي وجود أزمة في الأسمدة وتعلن رصيدًا يتجاوز 6 ملايين شيكارة في الجمعيات الزراعية، بينما تتحرك مصانع بير السلم في السوق الموازي لتبيع مواد مجهولة تضرب التربة والمحصول وصحة المواطن في نهاية سلسلة الغذاء.

 

مصنع الشرقية يحول الغش التجاري إلى تهديد زراعي

 

في البداية، لا تقف واقعة بلبيس عند حدود مصنع مخالف أو مدير مسؤول جرى ضبطه، لأن وجود 380 طنًا من الأسمدة والمخصبات والمبيدات المغشوشة داخل منشأة غير مرخصة يكشف قدرة سوق الظل على إنتاج كميات ضخمة قبل وصولها إلى الفلاحين ومنافذ التداول.

 

وعلى هذا الأساس، تقدم النائب إبراهيم الديب بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة، بعدما اعتبر أن ما كشفته تحريات شرطة البيئة والمسطحات يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي وصحة المواطنين، وليس مجرد مخالفة تموينية يمكن إغلاقها بمحضر وإعلان رسمي.

 

في هذا المحور، يخدم رأي حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، قضية انتشار الغش في السوق الزراعي، لأنه حذر في تصريحات سابقة من أن الأسمدة المغشوشة تمثل نسبة لا يستهان بها من المطروح، وأن الضبطيات لا تكشف إلا جزءًا محدودًا من حجم السوق غير المرخص.

 

لذلك، لا يستطيع الفلاح الصغير أن يتحمل وحده كلفة الفشل الرقابي، لأن المنتج المغشوش يصل إليه في شكائر تحمل أسماء شركات كبرى أو بيانات مضللة، ثم يدفع هو ثمن انخفاض الإنتاجية، بينما تفلت شبكات الخلط والتعبئة من الرقابة إلا بعد توسع نشاطها داخل المحافظات.

 

سموم بير السلم تستنزف التربة وتضعف إنتاجية الفدان

 

بعد ذلك، ينتقل الخطر من بوابة الغش التجاري إلى قلب الأرض الزراعية، لأن مصانع بير السلم تعتمد على خلط مواد كيميائية مجهولة المصدر أو مخلفات صناعية وترابية، ثم تطرحها في السوق بوصفها أسمدة ومخصبات قادرة على زيادة الإنتاج وحماية المحاصيل.

 

ومن هنا، يصبح الضرر ممتدًا لا موسميًا، لأن الأسمدة غير المطابقة قد تحدث خللًا كيميائيًا في التربة وتزيد تملحها وتدهور خصوبتها مع تكرار الاستخدام، وهو ما يعني أن الخسارة لا تتوقف عند محصول فاشل، بل قد تمتد إلى تراجع قدرة الأرض على الإنتاج لسنوات.

 

في هذا السياق، يخدم رأي الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي، محور استنزاف الرقعة الزراعية، لأنه يربط دائمًا بين الأمن الغذائي وحماية الأرض والمياه ومدخلات الإنتاج، ويرى أن أي خلل في إدارة هذه العناصر ينعكس مباشرة على إنتاج الغذاء وأسعاره.

 

بناء على ذلك، لا يصبح ضبط مصنع في الشرقية واقعة محلية معزولة، لأن كل شيكارة مغشوشة تدخل أرضًا زراعية قد تقلل محصول الفدان، وتزيد تكلفة العلاج الزراعي على الفلاح، وتدفعه إلى شراء كميات إضافية من المدخلات، ثم تنتقل الفاتورة إلى أسعار الغذاء في الأسواق.

 

كذلك، تزداد خطورة المبيدات المغشوشة لأنها لا تضرب النبات فقط، بل قد تلوث التربة والمياه وتترك آثارًا داخل المحاصيل، وهو ما يجعل المستهلك الأخير طرفًا في الجريمة من دون أن يعرف مصدر الخطر أو اسم المصنع الذي حول غذاءه إلى مادة مشكوك في سلامتها.

 

بيانات الحكومة عن المخزون لا تكفي لحماية الفلاح

 

في المقابل، أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، بالتواصل مع وزارة الزراعة، عدم صحة وجود أزمة مرتقبة في الأسمدة للموسم الصيفي الحالي، وأكد توافر مخزون استراتيجي آمن ومستقر يتجاوز 6 ملايين شيكارة في الجمعيات الزراعية مع استمرار الإمداد اليومي من المصانع.

 

لكن هذا البيان لا يجيب عن السؤال الأخطر، لأن توافر المخزون الرسمي لا يمنع تسرب المنتجات المغشوشة إلى المزارعين إذا بقيت منافذ البيع والمخازن وسلاسل النقل خارج رقابة محكمة، وإذا ظل الفلاح يواجه تأخر الصرف أو صعوبة الحصول على حصته المدعمة في الوقت المناسب.

 

عند هذه النقطة، يخدم رأي الدكتور عبد التواب بركات، المتخصص في سياسات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية، محور مسؤولية الدولة عن سلاسل الغذاء، لأنه يربط بين حماية الفلاح وعدالة توزيع الموارد وبين قدرة البلد على صون غذائه من التبعية والاحتكار والفساد.

 

ثم إن الحديث الحكومي عن كارت الفلاح وضوابط صرف الأسمدة لا يكفي إذا بقيت المصانع غير المرخصة قادرة على تعبئة مواد مجهولة المصدر في عبوات تجارية، لأن الرقابة الورقية لا تحمي الأرض، ولا تمنع الغش، ولا تكشف المواد الثقيلة أو الملوثات قبل دخولها الحقول.

 

لهذا السبب، يحتاج ملف الأسمدة والمبيدات إلى تتبع كامل من المصنع إلى الجمعية الزراعية ومن المخزن إلى الحقل، مع عقوبات رادعة على الإنتاج والتعبئة والتوزيع، لا حملات متقطعة بعد انتشار المنتج، لأن الأمن الغذائي يبدأ من المدخلات قبل أن يصل إلى المحصول والسوق.

 

أخيرًا، تكشف أزمة الشرقية أن الحكومة تملك لغة النفي أسرع من امتلاكها منظومة رقابة تمنع الغش قبل وقوعه، فالفلاح لا يحتاج بيان طمأنة بقدر حاجته إلى سماد آمن في موعده، والمواطن لا يحتاج أرقاما عن المخزون بينما تدخل مواد مجهولة إلى تربة تنتج غذاءه اليومي.