تشهد الأسواق المصرية موجة جديدة من الارتفاعات السعرية المتلاحقة، طالت السلع الغذائية الأساسية وخدمات الاتصالات والأجهزة الكهربائية والعقارات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على الأسر، وسط مخاوف من اتساع دائرة الغلاء وانعكاساته المباشرة على مستويات المعيشة والقدرة الشرائية للمواطنين، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد والطاقة، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية وتقلبات سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، ما يدفع قطاعات واسعة من الأسواق إلى إعادة تسعير منتجاتها وخدماتها بوتيرة متسارعة.
زيادات جديدة في أسعار السلع الأساسية
سجلت أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية ارتفاعات ملحوظة، وفق بيانات “بوابة أسعار السلع المحلية والعالمية” التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، حيث ارتفعت أسعار الأرز والدقيق والزيوت والسكر والعدس واللحوم والدواجن، في وقت يواجه فيه المواطنون موجات متتالية من زيادة تكاليف المعيشة.
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع سعر كيلو الأرز المعبأ إلى 34.8 جنيه، بينما سجل كيلو الدقيق المعبأ 27.64 جنيه بزيادة كبيرة تجاوزت 3 جنيهات، كما قفز سعر لتر زيت عباد الشمس إلى أكثر من 100 جنيه، فيما ارتفع سعر السكر المعبأ إلى 36.42 جنيه.
وشملت الزيادات أيضًا أسعار اللحوم الطازجة التي تجاوز سعر الكيلو منها 450 جنيهًا، والدواجن التي سجلت نحو 115 جنيهًا للكيلو، إلى جانب ارتفاع أسعار المسلي الصناعي والعدس والمكرونة والزيوت المختلفة.
ويرى مراقبون أن استمرار صعود أسعار الغذاء يضع مزيدًا من الضغوط على الأسر، خصوصًا مع اعتماد شرائح واسعة على هذه السلع باعتبارها مكونات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
“معركة الفراخ”.. التصدير إلى الخليج يثير القلق
وفي قلب موجة الغلاء الحالية، تصدرت أسعار الدواجن المشهد، بعد بدء مصر تصدير شحنات من الدواجن المجمدة إلى دول الخليج، وفي مقدمتها قطر، في خطوة تعتبرها الحكومة والمنتجون فرصة لزيادة حصيلة النقد الأجنبي وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المحلي.
لكن هذه الخطوة أثارت حالة من القلق في الأسواق، مع مخاوف من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها سلع مثل البصل والسكر والبطاطس، حين أدت زيادة التصدير إلى قفزات حادة في الأسعار المحلية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت أسعار الدواجن ارتفاعات تراوحت بين 15% و20% في عدد من المناطق، وسط شكاوى من المستهلكين والتجار على حد سواء، خاصة مع ارتفاع أسعار الأعلاف التي تمثل العنصر الأكبر في تكلفة الإنتاج.
وقفز سعر طن الأعلاف إلى نحو 25 ألف جنيه مقارنة بـ22 ألفًا خلال الفترة السابقة، مدفوعًا بارتفاع أسعار الذرة وكسب الصويا وتكاليف الاستيراد والشحن.
ويقول تجار إن أسعار الدواجن داخل المزارع ارتفعت بصورة ملحوظة بعد بدء التصدير، بينما وصل سعر الكيلو للمستهلك في بعض المناطق إلى نحو 125 جنيهًا، مع صعود أسعار البانيه إلى ما بين 210 و260 جنيهًا للكيلو.
الاتصالات والإنترنت.. زيادة جديدة تُشعل غضب المستخدمين
ولم تتوقف موجة الغلاء عند الغذاء، إذ رفعت شركات الاتصالات أسعار كروت الشحن وباقات الإنترنت وخدمات الهاتف المحمول بنسبة تقارب 15%، في خطوة أثارت غضبًا واسعًا بين المستخدمين.
وشملت الزيادة مختلف الفئات، حيث ارتفعت أسعار كروت الشحن الصغيرة والكبيرة، إلى جانب خدمات الإنترنت الأرضي وأنظمة الفاتورة الشهرية، ما يعني زيادة مباشرة في تكلفة خدمات الاتصال والبيانات.
وبررت الشركات هذه الزيادات بارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والمعدات المستوردة، بالإضافة إلى تأثير تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وارتفاع تكاليف الشحن العالمية، لكن مستخدمين اعتبروا أن هذه الزيادات تمثل عبئًا إضافيًا على المواطنين، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الإنترنت وخدمات الاتصال في العمل والتعليم والخدمات اليومية.
ويرى محللون أن ارتفاع أسعار الاتصالات قد يفتح الباب أمام موجة تضخمية جديدة، نظرًا لارتباط خدمات الإنترنت والهاتف بكافة الأنشطة الاقتصادية والخدمية تقريبًا.
الأجهزة الكهربائية.. قفزات متكررة تربك السوق
وفي قطاع الأجهزة المنزلية، تشهد الأسواق موجة ارتفاعات حادة دفعت بعض الشركات إلى رفع الأسعار أربع مرات خلال ثلاثة أشهر فقط، بحسب مسؤولين في شعبة الأجهزة الكهربائية.
وأدت هذه الزيادات إلى حالة من الركود النسبي، مع عزوف كثير من المواطنين عن الشراء أو تأجيل قرارات التجهيز، خاصة بين الشباب المقبلين على الزواج، ويؤكد تجار أن ارتفاع تكلفة الاستيراد والطاقة والخامات، إضافة إلى تقلبات سعر الصرف، كلها عوامل ساهمت في تضخم أسعار الأجهزة بصورة غير مسبوقة.
كما تسبب انتشار أخبار الزيادات المرتقبة في اندفاع بعض المستهلكين للشراء السريع خوفًا من موجات غلاء جديدة، ما أدى إلى زيادة الطلب ومنح الشركات مساحة إضافية لإعادة التسعير بشكل متكرر.
العقارات تدخل دائرة اشتعال الأسعار
أما السوق العقارية، فقد دخلت بدورها مرحلة جديدة من الارتفاعات المتواصلة، وسط توقعات بزيادة أسعار الوحدات السكنية بنسب قد تصل إلى 30% في بعض المشروعات.
ويعزو مطورون عقاريون هذه الزيادات إلى ارتفاع أسعار الحديد والأسمنت والطاقة والخدمات اللوجستية، إلى جانب تأثير تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف التمويل.
وباتت الشركات العقارية تواجه معادلة صعبة بين الحفاظ على هامش الربح وعدم تحميل المشترين زيادات تفوق قدرتهم الشرائية، خاصة في ظل تباطؤ الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى خبراء أن العقارات ما زالت تُعتبر ملاذًا آمنًا لحفظ القيمة في مواجهة التضخم، وهو ما يدفع الطلب للاستمرار رغم الزيادات، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يقلص قدرة شرائح واسعة على التملك خلال الفترة المقبلة.
وتعكس هذه الموجة المتلاحقة من الارتفاعات حالة الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن، مع تزامن زيادات الغذاء والاتصالات والطاقة والعقارات والخدمات الأساسية في وقت واحد، بينما تبقى مستويات الدخول عاجزة عن مواكبة هذه القفزات السعرية.

