جدل واسع يدور حول قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مايو 2026، وفي إطار هذا الجدل صدر تحذير من مسار تشريعي أخطر من تنظيم الزواج والطلاق داخل الكنائس، بعدما ربط معارضون تمرير القانون بضغوط التمويل الدولي وباحتمال استخدامه لاحقًا كبوابة لتغيير قواعد ميراث المسلمين تحت ضغط صندوق النقد.
وكشف هذا الجدل أن حكومة السيسي لا تدير ملف الأسرة بوصفه ملفًا دينيًا واجتماعيًا حساسًا، بل تدفعه داخل سياق قروض ومراجعات مالية واشتراطات خارجية، بما يضع الشريعة الإسلامية أمام اختبار سياسي يبدأ بقانون للمسيحيين وقد ينتهي بقانون يطال المسلمين.
قانون المسيحيين يتحول إلى سابقة تشريعية لا تخص الكنائس وحدها
أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين مخاوف واسعة لأنه لا يظهر كتنظيم داخلي محدود لشؤون الزواج والخطبة والطلاق والميراث، بل يظهر كسابقة تشريعية يمكن أن تستخدمها السلطة لاحقًا لتغيير قوانين الأسرة للمسلمين باسم التحديث أو التزامات التمويل الخارجي والقروض.
ثم عزز المحامي نبيل بسطا هذه المخاوف عندما حذر من شبهة عدم دستورية القانون إذا استخدم مبادئ القانون المدني مصدرًا من مصادره، لأن المادة 3 من دستور 2014 تجعل شرائع المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي لتشريعات أحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية.
وبذلك يخدم رأي بسطا محور الخطر الدستوري، لأنه لا يناقش القانون من زاوية طائفية، بل يفضح باب الخلط بين المرجعية الدينية والقانون المدني، وهذا الخلط يصبح أكثر خطورة إذا استخدمته الحكومة لاحقًا ضد المسلمين في قضايا الميراث والزواج والولاية.
كما أن الاعتماد على القانون المدني داخل ملف ديني يضرب أصل فكرة الخصوصية الدينية، لأن المسيحيين لهم مرجعية كنسية، والمسلمون لهم مرجعية شرعية، فإذا كسرت الحكومة هذا الحاجز في ملف المسيحيين فقد تكرره في ملف المسلمين بذريعة المساواة أو الإصلاح.
ومن هنا لا يقف الخلاف عند نص قانوني واحد، لأن السلطة التي تملك تمرير قانون للأحوال الشخصية عبر البرلمان تستطيع أن توسع المنهج نفسه، فتنتقل من مساواة ميراث المسيحيين إلى طرح مساواة ميراث المسلمين تحت غطاء اقتصادي وسياسي وإعلامي منظم.
صندوق النقد يحاصر القرار الاجتماعي كما حاصر القرار الاقتصادي
تزامن الجدل حول قانون الأحوال الشخصية مع توسع اعتماد مصر على قرض صندوق النقد الدولي، بعدما جرى توسيع البرنامج إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024، ثم ارتبطت الدفعات والمراجعات بتنفيذ إصلاحات يقول الصندوق إنها ضرورية لاستقرار الاقتصاد.
لذلك يرى معارضون أن الخطر لا يأتي من القانون وحده، بل من المناخ الذي يصدر فيه القانون، لأن الحكومة التي تقبل رفع الأسعار وبيع الأصول وتقليص الدعم تحت ضغط التمويل تستطيع أن تقدم تنازلات اجتماعية وتشريعية مقابل تأجيل قسط أو تمرير مراجعة.
وهنا تخدم قراءة الفقيه القانوني محمد سليم العوا محور العلاقة بين التشريع والهوية، لأن كتاباته في الفقه الإسلامي والمقاصد والتشريعات المعاصرة تؤكد أن قوانين الأسرة لا تنفصل عن مرجعيتها الدينية، ولا يجوز تحويلها إلى مواد مدنية قابلة للمساومة السياسية.
وعلى هذا الأساس يصبح الحديث عن تأجيل قسط أو إلغاء قسطين أكثر من اتهام سياسي عابر، لأنه يضع قانون الأسرة داخل صفقة حكم مأزومة، فالنظام يحتاج الدولار والرضا الدولي، والمجتمع يدفع الثمن من جيبه أولًا ومن مرجعيته الدينية لاحقًا.
غير أن صندوق النقد يعلن عادة شروطًا اقتصادية تتعلق بالدين والخصخصة ودور الدولة والدعم، ولا يعلن شروطًا مباشرة تخص الميراث، لكن خطورة اللحظة تكمن في أن السلطة قد تستخدم خطاب الإصلاح المطلوب خارجيًا لتسويق تغييرات لا يطلبها المجتمع.
الميراث والشريعة تحت اختبار سابقة بدأت بغير المسلمين
فتح الحديث عن مساواة الرجل والمرأة في ميراث المسيحيين بابًا جديدًا داخل الجدل، خاصة بعد أحكام قضائية ومواد كنسية تتجه إلى المساواة في بعض الحالات استنادًا إلى خصوصية الشرائع المسيحية، وهو أمر لا يجوز نقله آليًا إلى المسلمين دون صدام مباشر مع الشريعة.
وبالمقابل، يستند ميراث المسلمين إلى نصوص قرآنية قطعية في مواضع محددة، لذلك تصبح أي محاولة لفرض قاعدة أن المرأة ترث مثل الذكر أو أكثر منه داخل المسلمين خروجًا على المرجعية الإسلامية، لا مجرد تعديل قانوني قابل للنقاش البرلماني العادي.
ومن زاوية دستورية، يخدم رأي محمد محسوب هذا المحور بحكم تخصصه في القانون الدستوري ومشاركته السابقة في نقاشات الدستور، لأن الخلاف هنا يتعلق بحدود سلطة البرلمان أمام النصوص المؤسسة لهوية الدولة ومرجعية الشريعة في تشريعات المسلمين.
لذلك تبدو السلسلة واضحة في نظر المعارضين، تبدأ الحكومة بتقديم قانون مدني الملامح للمسيحيين، ثم يعتاد المجال العام فكرة تغيير قواعد الأسرة، ثم يظهر خطاب المساواة المجردة، ثم يجري الضغط على ميراث المسلمين تحت لافتة التحديث والالتزامات الدولية.
كما أن الصورة المتداولة التي تقول إن الولد مثل البنت في الميراث داخل الأسرة المسيحية تحولت إلى أداة إنذار عند قطاعات محافظة، لأنها لا تتوقف عند خصوصية المسيحيين، بل تسأل عن الخطوة التالية في دولة تستخدم القانون لتبديل المرجعيات بدل حمايتها.
حكومة السيسي تفتح بابًا لن تستطيع إغلاقه
تعكس الأزمة أن حكومة السيسي تدفع قانونًا شديد الحساسية من دون إعلان كاف لبيانات النزاعات الأسرية المسيحية أو عدد القضايا أو أسباب العجز التشريعي السابق، وهذا الغياب يجعل المشروع يبدو قرارًا سياسيًا من أعلى لا استجابة دقيقة لمشكلة اجتماعية موثقة.
ثم يزيد الخطر عندما يتزامن القانون مع ضغوط صندوق النقد وتراجع قدرة الدولة على السداد، لأن المواطن يرى الحكومة ترفع الأسعار باسم القروض، وتبيع أصولًا باسم الاستثمار، ثم تقترب من قوانين الأسرة باسم الإصلاح، فيتكون ربط سياسي يصعب تجاهله.
وفي النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى قانون يفتح باب الشك بين المسلمين والمسيحيين، بل يحتاج إلى ضمانة واضحة بأن تنظيم أحوال المسيحيين لن يتحول إلى منصة لتفكيك ميراث المسلمين، وأن الحكومة لن تجعل القروض الدولية ممرًا لتغيير الشريعة والهوية.
ولهذا يبقى العنوان الأخطر في الأزمة أن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين لم يعد ملفًا كنسيًا فقط، بل صار اختبارًا لطريقة حكم ترى المجتمع مادة للتجريب، وترى القروض سببًا لتوسيع السلطة، وترى الشريعة عقبة يمكن الالتفاف عليها خطوة بعد خطوة.

