كشفت شكاوى تلقاها جهاز حماية المستهلك في مصر عن فرض رسوم وصلت إلى 500 جنيه تحت بند مديونية على عدادات الكهرباء الكودية، بعدما بدأت وزارة الكهرباء تطبيق سعر موحد قدره 2.74 جنيه للكيلووات ساعة منذ أبريل، فوجد مواطنون أنفسهم أمام خصومات مفاجئة عند أول عملية شحن لاحقة.

 

وتضع الواقعة ملايين الأسر المقيمة في وحدات مخالفة أو غير مكتملة التقنين داخل دائرة ضغط مزدوجة، لأن الحكومة نقلت عبء التخبط الإداري إلى المواطن، ثم استخدمت العداد المؤقت كأداة تحصيل قاسية بدل أن تعلن قواعد واضحة قبل التطبيق، فكانت النتيجة ارتباكًا ماليًا وغضبًا اجتماعيًا لا يمكن فصله عن موجة رفع أسعار الطاقة.

 

مديونيات مفاجئة بعد أول شحن

 

بدأت الأزمة حين ظهرت على شاشات العدادات الكودية مبالغ إضافية تطالب المواطنين بالسداد دفعة واحدة، بينما قالت وزارة الكهرباء في ردها على استفسارات جهاز حماية المستهلك إن هذه المبالغ تمثل فروق أسعار بين نظام المحاسبة القديم ونظام السعر الموحد الجديد، لا رسومًا منفصلة بلا سبب معلن.

 

وبحسب مصدر في إدارة الشكاوى بجهاز حماية المستهلك، أدى احتساب الاستهلاك تلقائيًا بالسعر الجديد منذ بداية أبريل إلى نفاد الرصيد بوتيرة أسرع، ثم سجل العداد فرق التكلفة عند أول شحن لاحق، فظهر للمستهلك رقم مديونية لم يكن مستعدًا له ولم يتلق بشأنه توعية مسبقة.

 

في المقابل، أرجع مصدر مطلع بوزارة الكهرباء المديونية إلى فروق أسعار ورسوم خدمة عملاء وتسويات مالية مرتبطة بتأخر تحديث بيانات المشتركين، أو فروق بين الاستهلاك الفعلي وقيمة الشحن خلال فترات سابقة، مشيرًا إلى أن بعض الحالات سجلت مبالغ بين 200 و300 جنيه.

 

غير أن هذا التبرير لا يغيّر جوهر الأزمة، لأن المواطن لم يتلق كشف حساب مسبقًا يوضح فترة التسوية وطريقة احتسابها وسبب تحميلها على العداد، فانتقلت العلاقة بين شركة الكهرباء والمستهلك من خدمة محاسبة معلنة إلى خصم آلي يفرض الأمر الواقع على صاحب العداد.

 

وهنا يخدم موقف المحامي الحقوقي خالد علي محور الشرعية والعدالة في هذا الملف، لأنه سبق أن طعن على زيادات أسعار الكهرباء باعتبارها تمس العدالة الاجتماعية وحقوق المواطنين في الخدمات الأساسية، ويعيد هذا المنطق طرح سؤال واضح عن قانونية تحميل فئات هشة بزيادات مفاجئة دون تدرج أو إخطار كاف.

 

تسعيرة موحدة تلغي الشرائح وتوسع الجباية

 

انتقلت وزارة الكهرباء في أبريل من نظام الشرائح المتدرج إلى سعر موحد قدره 2.74 جنيه للكيلووات ساعة على العدادات الكودية، وهي خطوة رفعت تكلفة الاستهلاك بنسب تصل إلى 28% على نحو 3.6 مليون عداد، وألغت عمليًا الفلسفة التي تفرّق بين المستهلك المحدود وكثيف الاستهلاك.

 

وبينما تبرر الحكومة القرار بأن العدادات الكودية تخص وحدات تحصل على الكهرباء خارج الإطار القانوني الكامل، فإن المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء تصف هذه العدادات بأنها مؤقتة لحين توفيق أوضاع المباني المخالفة أو تنفيذ قرارات الإزالة، أي أنها ليست تسوية ملكية ولا ترخيصًا عقاريًا كاملًا.

 

لذلك تتحول المعادلة إلى عقوبة مالية واسعة، لأن المواطن الذي قبل تركيب العداد الكودي لتقليل الفقد وضبط الاستهلاك أصبح يدفع سعرًا أعلى بسبب وضع قانوني لم تحسمه الدولة نفسها، خصوصًا بعد سنوات من تمديد مهلة التصالح وتعقيد إجراءات المحليات أمام أصحاب الطلبات.

 

كما يوضح الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني وظيفة هذا المحور اجتماعيًا، إذ كتب سابقًا عن علاقة رفع أسعار الكهرباء بتآكل الحماية الاجتماعية واتساع الفقر، وتخدم رؤيته هنا قراءة القرار كجزء من نقل تكلفة الأزمة إلى الأسر، لا كإصلاح عادل لمنظومة محاسبة مختلة.

 

ومن زاوية اقتصادية مباشرة، لا يقتصر الأثر على ارتفاع قيمة الشحن الشهري، لأن السعر الموحد يضرب من يستهلك كميات محدودة بالسعر نفسه الذي يدفعه من يستهلك أكثر، فتفقد شرائح الكهرباء معناها الاجتماعي، ويتحول العداد مسبق الدفع إلى ماكينة خصم لا تراعي دخل الأسرة أو حجم الاستهلاك.

 

أزمة طاقة تتحول إلى ضغط على المخالفين

 

جاء القرار داخل سياق أوسع من قرارات حكومية أعقبت تذبذب إمدادات الطاقة الإقليمية بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير، إذ رفعت الحكومة أسعار الوقود ثم زادت تعريفة الكهرباء للمنازل والأنشطة التجارية، ورفعت أسعار الغاز لمصانع الأسمدة بنحو 21%، وقررت الغلق المبكر للمحال لترشيد الاستهلاك.

 

ومن ثم لم تعد مديونية العداد الكودي واقعة فنية معزولة، بل صارت حلقة في سياسة أوسع تعتمد على التحصيل السريع من المواطن عند كل أزمة طاقة أو عجز مالي، بينما تظل الحكومة عاجزة عن تقديم شرح شفاف يسبق التطبيق ويمنع الصدمة عند شحن العداد.

 

وفي هذا السياق، يخدم موقف النائب ضياء الدين داوود محور الرقابة العامة، لأنه تقدم بطلب إحاطة بشأن تطبيق تسعير جديد للعدادات الكودية دون تدرج وربطه بالاستهلاك، واعتبر أن القرار يثير أزمة عدالة واضحة عندما يساوي بين أوضاع اجتماعية مختلفة داخل تسعيرة واحدة.

 

كذلك طلبت وزارة الكهرباء من شركات التوزيع حصر الشكاوى ومراجعة أسباب المديونيات تفصيليًا، بعدما تزايدت البلاغات عبر المنصة الموحدة ومراكز خدمة المواطنين، لكن هذا التحرك جاء بعد ظهور الخصومات لا قبلها، وبعدما فقد كثير من المشتركين القدرة على فهم سبب تراجع الرصيد بهذه السرعة.

 

وتقول الوزارة إنها تدرس آلية موحدة للتعامل مع الأزمة عبر مراجعة بيانات الشحن والاستهلاك لكل عداد على حدة، غير أن هذه الخطوة تكشف اضطراب التطبيق نفسه، لأن القرار الذي يمس 3.6 مليون عداد كان يفترض أن يبدأ بقاعدة معلنة للاحتساب لا بلجان مراجعة لاحقة للشكاوى.

 

التصالح المؤجل والفاتورة المعجلة

 

تعود جذور الأزمة إلى ملف التصالح في مخالفات البناء، إذ صدر القانون الأول عام 2019 بعد سنوات من إعداد تشريع يمس مصالح ملايين المالكين، ثم جرى تعديله عام 2020، بينما ظلت الوحدات المحلية تتعامل مع الطلبات بإجراءات معقدة دفعت النواب مرارًا إلى المطالبة بتعديل القانون.

 

ومع استمرار التعقيدات، مددت الحكومة مهلة التصالح أكثر من مرة، وكان آخرها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1098 لسنة 2026 بمد فترة التقدم بالطلبات 6 أشهر إضافية حتى نوفمبر، ما يعني أن الدولة تعترف ضمنيًا بأن الملف لم يحسم إداريًا أو اجتماعيًا حتى الآن.

 

لكن الحكومة لم تنتظر حسم التصالح كي تفرض فاتورة الكهرباء الأعلى، فالمواطن الذي يقف في طابور التقنين يدفع الآن سعرًا موحدًا وخصومات مديونية، بينما تواصل الجهات المحلية تمديد المهل نفسها، وهنا تظهر المفارقة القاسية بين تصالح مؤجل وفاتورة معجلة.

 

لذلك تبدو العدادات الكودية اليوم مثل قناة ضغط مالي على سكان المباني المخالفة أكثر من كونها وسيلة دقيقة للمحاسبة، لأن الدولة تطلب من المواطن تقنين وضعه عبر مسار إداري طويل، ثم تعاقبه ماليًا خلال فترة الانتظار نفسها بتسعيرة أعلى وتسويات غير مفهومة.

 

وتكشف الأزمة في نهايتها عن نموذج حكم يحمّل المواطن ثمن عجز الإدارة مرتين، مرة حين يتعطل التصالح داخل المحليات، ومرة حين يظهر بند مديونية على العداد دون إنذار كاف، ولذلك لا يكفي حصر الشكاوى بعد الانفجار، بل يجب وقف التسعير الموحد ومراجعة كل خصم قبل تحصيله.