كشفت بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة البترول المصرية ارتفاع واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى أكثر من 1.5 مليار دولار خلال أول شهرين من 2026، بالتزامن مع قفزة كبيرة في صادرات الغاز المسال لصالح شركات أجنبية، بعدما لجأت الحكومة إلى جدولة مستحقات الشركاء الأجانب عبر تصدير حصصهم من الغاز عقب سنوات من استهلاك الدولة لنصيب تلك الشركات من الإنتاج المحلي.
وأظهرت الأرقام اتساع أزمة الطاقة في مصر رغم سنوات الدعاية الرسمية حول الاكتفاء الذاتي وتحول البلاد إلى مركز إقليمي للغاز، بينما تواجه الحكومة حاليًا فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك، ما دفعها إلى استيراد عشرات الشحنات من الغاز المسال واستئجار سفن تغويز جديدة، في وقت تتزايد فيه الديون الخارجية والالتزامات المستحقة لشركات الطاقة الأجنبية.
استهلاك نصيب الشركاء الأجانب فجّر أزمة ديون الطاقة
أعلنت وزارة البترول المصرية خلال الأشهر الأخيرة تصدير شحنات غاز مسال لصالح شركات أجنبية بينها شركة “شل” عبر مجمع إدكو للإسالة، ضمن ترتيبات تهدف إلى سداد مستحقات متراكمة للشركاء الأجانب بعد سنوات من استخدام الحكومة المصرية حصص تلك الشركات لتغطية احتياجات السوق المحلي.
وأظهرت بيانات التجارة الخارجية ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال خلال أول شهرين من 2026 إلى 89.7 مليون دولار مقابل 10.5 ملايين دولار فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في زيادة تعكس اتجاه الدولة لاستخدام التصدير كوسيلة لتسوية الديون المتراكمة لشركات الطاقة الأجنبية.
كما قفزت صادرات الغاز المسال خلال فبراير وحده بنسبة 605% لتصل إلى 35.3 مليون دولار مقابل 5 ملايين دولار خلال الشهر نفسه من 2025، بينما أعلنت وزارة البترول تصدير شحنة جديدة لصالح شركة “شل” بكمية تبلغ 150 ألف متر مكعب من الغاز المسال إلى أحد الموانئ التركية.
وقال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن الحكومة المصرية استهلكت لسنوات جزءًا كبيرًا من حصة الشركاء الأجانب في الغاز لتغطية احتياجات السوق المحلي ومحطات الكهرباء، ما أدى إلى تراكم مستحقات ضخمة دفعت شركات عديدة إلى تقليص أعمالها وتأجيل استثماراتها الجديدة.
وأضاف النحاس أن لجوء الحكومة حاليًا إلى تصدير الغاز لصالح الشركات الأجنبية يكشف حجم الأزمة الحقيقية داخل قطاع الطاقة، لأن الدولة لم تعد تملك السيولة الكافية لسداد الالتزامات النقدية، فأصبحت تسدد الديون من خلال منح الشركاء حق تصدير حصصهم مباشرة للأسواق الخارجية.
وفي السياق نفسه يرى مراقبون أن خطاب الحكومة حول تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة تراجع بصورة واضحة خلال العامين الأخيرين بعد انخفاض الإنتاج المحلي وعودة البلاد إلى استيراد الغاز بصورة واسعة لتغطية الاستهلاك الداخلي.
الإنتاج يتراجع والاستيراد يقفز رغم وعود الاكتفاء الذاتي
قدّرت وزارة البترول إنتاج مصر الحالي من الغاز الطبيعي بنحو 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا فقط، بينما يبلغ الطلب المحلي حوالي 6.2 مليارات قدم يوميًا، ويرتفع خلال الصيف إلى نحو 7.2 مليارات قدم بسبب زيادة استهلاك الكهرباء والتبريد.
كما كشفت البيانات الرسمية أن مصر استوردت ما بين 155 و160 شحنة غاز مسال لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، في وقت تخطط فيه الحكومة للاستمرار في استيراد الغاز حتى عامي 2029 و2030 مع استئجار 4 سفن تغويز جديدة.
وتبلغ الطاقة القصوى لسفن التغويز المستأجرة نحو 3.45 مليارات قدم مكعبة يوميًا عند احتساب الطاقة الاحتياطية المتاحة من السفينة الخامسة “إنرغوس فورس” الموجودة في الأردن ضمن اتفاقية تعاون بين البلدين لتأمين الإمدادات.
وقال خبير الطاقة جمال القليوبي إن التراجع الطبيعي لإنتاج الحقول أمر متوقع في صناعة الغاز، لكن الأزمة الحالية تعكس غياب التخطيط طويل الأجل وتأخر عمليات الاستكشاف والتنمية في عدد من الحقول المهمة خلال السنوات الماضية.
وأوضح القليوبي أن أي دولة تعتمد بصورة كبيرة على الغاز في تشغيل الكهرباء والصناعة تحتاج إلى خطط استباقية لزيادة الإنتاج قبل تراجع الحقول القائمة، لكن الحكومة المصرية اعتمدت لسنوات على الاكتشافات القديمة دون تطوير كافٍ لقدرات الإنتاج الجديدة.
كما أعلنت وزارة البترول أنها تستهدف رفع إنتاج الغاز إلى 6.6 مليارات قدم مكعبة يوميًا بحلول 2030 بزيادة تصل إلى 58% عن المعدلات الحالية، إلى جانب حفر 14 بئرًا استكشافية في البحر المتوسط خلال 2026 لتقييم احتياطيات تقدر بنحو 12 تريليون قدم مكعبة.
وفي المقابل يشكك اقتصاديون في قدرة الحكومة على تحقيق هذه الأهداف خلال السنوات المقبلة بسبب تراجع الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة وارتفاع مخاطر السوق المصرية بعد أزمة مستحقات الشركاء وتأخر السداد خلال الفترات السابقة.
واردات الطاقة ترتفع والاقتصاد يدفع الثمن
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع إجمالي واردات مصر من منتجات الطاقة خلال أول شهرين من 2026 بنسبة 8.8% لتسجل 3.231 مليارات دولار مقابل 2.969 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
كما قفزت واردات البترول الخام بنسبة 383.7% لتصل إلى 388.56 مليون دولار مقابل 80.33 مليون دولار خلال أول شهرين من العام الماضي، بزيادة تجاوزت 308 ملايين دولار خلال فترة قصيرة.
وفي الوقت نفسه ارتفعت قيمة واردات الغاز المسال بنسبة 27.9% لتبلغ 1.51 مليار دولار مقابل 1.18 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من 2025، ما يعكس اتساع اعتماد مصر على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
وقال الباحث الاقتصادي ممدوح الولي إن الأرقام الحالية تكشف تناقضًا واضحًا بين الخطاب الرسمي الذي روج لسنوات لفكرة الاكتفاء الذاتي من الغاز وبين الواقع الذي يشهد ارتفاعًا متواصلًا في واردات الطاقة وزيادة الضغط على الدولار والاحتياطي النقدي.
وأضاف الولي أن الحكومة دفعت مليارات الدولارات في مشروعات دعائية مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية دون بناء سياسة إنتاج مستدامة قادرة على حماية السوق المحلي من تقلبات الإنتاج والاستهلاك وأسعار الطاقة العالمية.
كما ارتفعت صادرات المنتجات البترولية بنسبة 52.3% لتسجل 716.1 مليون دولار خلال أول شهرين من 2026 مقابل 470.3 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بينما تراجعت صادرات البترول الخام بنسبة 29.4%.
وفي المقابل تراجعت واردات المنتجات البترولية بنسبة 23.1% لتصل إلى 1.26 مليار دولار مقابل 1.638 مليار دولار، بينما ارتفعت واردات الفحم بنسبة 10.2% لتسجل 71.3 مليون دولار خلال أول شهرين من العام الحالي.
وتكشف هذه المؤشرات أن مصر أصبحت تدور داخل دائرة معقدة من استيراد الطاقة وتصدير جزء منها لصالح الشركاء الأجانب لسداد الديون، بينما يتحمل المواطن المصري فاتورة ارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء وتراجع قيمة العملة وارتفاع أعباء المعيشة بصورة متواصلة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن خطط لزيادة الإنتاج حتى 2030 واستكشاف احتياطيات جديدة في البحر المتوسط، يواجه الاقتصاد المصري أزمة طاقة حقيقية ترتبط بسوء الإدارة وتراكم الديون وتآكل الثقة بين الدولة والشركات الأجنبية، بعدما تحولت وعود الاكتفاء الذاتي إلى استيراد بالمليارات وتصدير لصالح الدائنين.

