كشفت حوادث متتالية شهدتها محافظات القاهرة والإسكندرية وقنا والفيوم والإسماعيلية خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا خطيرًا في معدلات الجرائم الأسرية والانتحار المرتبط بالأزمات الاقتصادية، بعد انهيار مستويات المعيشة وارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة غير مسبوقة منذ تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، ما أدى إلى توسع دائرة الفقر والعجز داخل ملايين الأسر المصرية، وانعكس ذلك في جرائم قتل وانتحار وتفكك اجتماعي متسارع.
وأظهرت الجرائم التي تصدرت المشهد خلال الشهور الماضية حجم التحول العنيف داخل المجتمع المصري، بعدما تحولت الضغوط المعيشية إلى وقود مباشر للقتل والانتحار والعنف الأسري، في ظل تراجع الدور الاجتماعي للدولة، وتآكل الدخول، واتساع الفجوة بين الأسعار والرواتب، بينما تواصل الحكومة تحميل المواطنين كلفة الأزمات الاقتصادية دون أي شبكات حماية حقيقية تمنع الانهيار داخل البيوت المصرية.
جرائم الفقر تضرب الأسرة المصرية
شهدت مدينة الإسكندرية في مارس الماضي واحدة من أبشع الجرائم الأسرية، بعدما عثرت الأجهزة الأمنية على 6 جثث داخل شقة سكنية لسيدة تبلغ من العمر 41 عامًا و5 من أبنائها، بينما نجا الابن السادس عقب محاولة إنهاء حياته بالقفز من الطابق الثالث عشر، قبل أن تكشف التحقيقات أن الأم دخلت في انهيار نفسي عقب تلقيها خبر طلاقها من زوجها المقيم بإحدى الدول العربية وامتناعه عن الإنفاق على الأسرة.
كما تكررت خلال الفترة الأخيرة وقائع مشابهة حملت جميعها بصمات الأزمة الاقتصادية، بعدما أقدم أب على قتل زوجته وطفلتيه بسبب ضائقة مالية، بينما قتل زوج زوجته في شبرا بسبب خلافات مرتبطة بالإنفاق، وقتل آخر زوجته أمام أبنائه الخمسة بسبب كعك العيد، فيما أقدم شاب في الإسماعيلية على قتل والده للحصول على الميراث.
كذلك شهدت عدة محافظات وقائع انتحار متلاحقة، بينها انتحار عاطل بإلقاء نفسه من الطابق العاشر بسبب ضيق الحال، وانتحار عامل في الفيوم للأسباب نفسها، إضافة إلى انتحار بائع متجول ونقاش وربات منازل وعمال عجزوا عن مواجهة تكاليف الحياة أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية.
وفي السياق نفسه، قال الكاتب الصحفي عبدالناصر سلامة إن التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة خلقت حالة واسعة من الاختناق الاجتماعي، بعدما أصبح ملايين المواطنين عاجزين عن تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم، ما دفع قطاعات واسعة إلى حافة الانهيار النفسي والعصبي.
وأضاف سلامة أن تصاعد الجريمة الأسرية لا يمكن فصله عن موجات الغلاء المتلاحقة ورفع الدعم وزيادة الأعباء المعيشية، موضحًا أن الدولة انسحبت تدريجيًا من أدوار الحماية الاجتماعية، بينما تُرك المواطن وحيدًا أمام ضغوط اقتصادية خانقة دفعت بعض الأسر إلى التفكك الكامل.
التعويم والغلاء وصناعة العنف الاجتماعي
تعرض المجتمع المصري منذ نوفمبر 2016 لسلسلة هزات اقتصادية عنيفة بدأت بتحرير سعر صرف الجنيه، ما تسبب في انخفاض قيمته بصورة حادة أمام الدولار، ثم تبع ذلك ارتفاع متواصل في معدلات التضخم وأسعار الغذاء والكهرباء والمياه والوقود، بينما بقيت الأجور عاجزة عن ملاحقة الزيادات القياسية في تكاليف المعيشة.
وأدى هذا التدهور الاقتصادي إلى تفاقم معدلات الجريمة بشكل عام والجرائم الأسرية بشكل خاص، حيث احتلت مصر المرتبة الثالثة عربيًا والمرتبة 24 عالميًا في تصنيف قاعدة البيانات العالمية "نامبيو" لمعدلات الجريمة، وسط استمرار غياب الإحصاءات الرسمية الحديثة الخاصة بقطاع الأمن العام.
كما كشف تقرير صادر عن ملتقى الحوار للحرية وحقوق الإنسان عام 2006 أن هناك 2.73 جريمة تُرتكب يوميًا بسبب الفقر، بينها جرائم سرقة وقتل وشروع في القتل وانتحار، بينما تؤكد الوقائع الحالية أن الأرقام تضاعفت بصورة أكثر خطورة مع اتساع دائرة الضغوط الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة منذ التعويم أدت إلى سحق الطبقة الوسطى ودفع شرائح واسعة من الفقراء نحو العجز الكامل عن تلبية الاحتياجات الأساسية، مؤكدًا أن معدلات التضخم المتتالية التهمت الدخول بصورة غير مسبوقة.
وأوضح الولي أن ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية والوقود والكهرباء والمياه انعكس بصورة مباشرة على استقرار الأسرة المصرية، بعدما أصبحت الضغوط اليومية أكبر من قدرة المواطنين على الاحتمال، ما أدى إلى تصاعد العنف والانهيار النفسي داخل البيوت الفقيرة ومحدودة الدخل.
بدوره، قال الدكتور محمد فؤاد إن غياب العدالة الاجتماعية واتساع الفوارق الاقتصادية خلقا بيئة خصبة لتفشي الجريمة والانحراف، مشيرًا إلى أن تحميل المواطنين وحدهم تكلفة الإصلاح الاقتصادي دون بناء منظومة حماية اجتماعية فعالة أدى إلى نتائج اجتماعية خطيرة.
وأضاف فؤاد أن الأزمات الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام مرتبطة بالتضخم والدين، لكنها تحولت إلى تهديد مباشر لاستقرار الأسرة والمجتمع، بعدما دفعت قطاعات واسعة نحو الإحباط واليأس وفقدان الأمان الاقتصادي والاجتماعي.
التفكك الأسري والانهيار النفسي يهددان المجتمع
حذرت دراسات اجتماعية متعددة من أن استمرار الضغوط الاقتصادية يؤدي إلى تآكل الروابط الأسرية وارتفاع معدلات العنف والانحراف داخل المجتمع، خاصة مع اضطرار كثير من الأزواج إلى السفر أو التخلي عن أسرهم بحثًا عن فرص عمل أو هربًا من الأعباء المالية المتفاقمة.
وأكدت دراسة للدكتورة حنان سالم أستاذ علم الاجتماع الجنائي بجامعة عين شمس أن جرائم القتل العائلي أصبحت تمثل ما بين ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل في مصر، بينما كشفت دراسة أخرى أن 63% من الجرائم باتت تُرتكب داخل نطاق الأسرة نفسها.
كما أوضحت الدراسات أن ثالوث الفقر والبطالة والإدمان أصبح المحرك الأساسي لجرائم العنف الأسري، في ظل تراجع منظومة القيم الاجتماعية، وتنامي الفردية والأنانية، وانهيار مفاهيم التكافل التي كانت تحكم العلاقات داخل الأسرة المصرية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور مراد علي إن استمرار القمع الاقتصادي والسياسي معًا خلق حالة من الاحتقان العام داخل المجتمع، انعكست بصورة مباشرة على العلاقات الأسرية، بعدما أصبح المواطن يواجه أزمات يومية متراكمة دون أي أفق لتحسن حقيقي في مستوى المعيشة.
وأضاف مراد علي أن غياب الأمل وفقدان الثقة في المستقبل يدفعان قطاعات واسعة نحو الانهيار النفسي، بينما تتحول البيوت الفقيرة إلى ساحات توتر دائم نتيجة العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية أو الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
كما ربطت أستاذة علم الاجتماع هالة منصور بين تصاعد الجرائم الأسرية وتراجع العلاقات الاجتماعية وضعف الروابط بين الأهل والجيران، مؤكدة أن الضغوط الاقتصادية مع العزلة الاجتماعية تخلق بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.
بينما أشار الدكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسي إلى أن تراجع الثقافة المجتمعية واعتياد مشاهد الدم والعنف عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهما في استسهال القتل والانتحار، خاصة مع غياب المرجعيات الاجتماعية والدينية القادرة على احتواء الأزمات.
وتكشف واقعة فتاة مترو مارجرجس حجم الكارثة الاجتماعية التي تضرب الأسر المصرية، بعدما دفعتها ظروف الفقر والعنف الأسري وضغوط الحياة إلى الانتحار أسفل عجلات القطار، عقب وفاة والدتها وعجز والدها العامل باليومية عن توفير احتياجات الأسرة، بينما مارس أشقاؤها ضدها الضرب والإهانة بصورة مستمرة.
وتؤكد هذه الوقائع أن الأزمة تجاوزت حدود الحوادث الفردية، لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية مرتبطة مباشرة بانهيار الأوضاع الاقتصادية وتراجع قدرة الأسر على الصمود أمام موجات الغلاء المتلاحقة، وسط غياب أي تدخل حكومي فعّال لوقف النزيف الاجتماعي المتصاعد.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وتآكل الدخول، تبدو الجرائم الأسرية والانتحار والعنف المجتمعي مرشحة لمزيد من التصاعد، بينما يدفع المواطن المصري وحده ثمن سياسات اقتصادية عمّقت الفقر وأضعفت المجتمع ودفعت آلاف الأسر إلى حافة الانهيار الكامل.

