كشفت وزارة التربية والتعليم في مصر عن الإبقاء على نظام امتحانات الثانوية العامة للعام الحالي دون تعديلات جوهرية، مع تطبيق نظام “المجمعات الامتحانية” داخل 613 مجمعًا يضم 2032 لجنة على مستوى الجمهورية، بالتزامن مع تشديد الرقابة بالكاميرات ووسائل التفتيش لمواجهة الغش الإلكتروني، رغم زيادة أعداد الطلاب بنحو 100 ألف طالب مقارنة بالعام الماض.

 

وتأتي هذه الإجراءات بينما تواجه الحكومة انتقادات متصاعدة بسبب تدهور العملية التعليمية وتحويل امتحانات الثانوية العامة إلى ملف أمني يخضع لرقابة مشددة بدل معالجة أسباب الأزمة التعليمية نفسها، في وقت تتحمل فيه الأسر أعباء مالية متزايدة نتيجة الدروس الخصوصية وغياب الثقة في قدرة المدارس الحكومية على تأهيل الطلاب بصورة حقيقية.

 

تشديد أمني بدل إصلاح التعليم

 

أكد المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم شادي زلطة أن امتحانات الثانوية العامة ستُعقد بنظام “البابل شيت” والأسئلة المقالية نفسها المعتمدة خلال العام الماضي، موضحًا أن الوزارة أتاحت نماذج استرشادية منذ أسابيع بهدف تدريب الطلاب على شكل الامتحانات قبل انطلاقها رسميًا.

 

وفي السياق نفسه أعلنت الوزارة بدء تطبيق نظام “المجمعات الامتحانية”، الذي يعتمد على تجميع عدد من المدارس داخل نطاق واحد لتقليل أعداد اللجان وتسهيل عمليات الرقابة والمتابعة الأمنية والإدارية خلال فترة الامتحانات.

 

كما أوضحت الوزارة أن عدد اللجان انخفض هذا العام إلى 2032 لجنة فقط موزعة على 613 مجمعًا امتحانيًا، مقارنة بـ2150 لجنة خلال العام الماضي، رغم الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب المتقدمين للامتحانات.

 

وقال الخبير التربوي كمال مغيث إن توجه الوزارة نحو تقليص اللجان وتكثيف الرقابة يعكس استمرار التعامل مع الثانوية العامة باعتبارها أزمة أمنية لا أزمة تعليمية، مؤكدًا أن الحل الحقيقي يبدأ من تطوير المدارس والمعلمين لا زيادة الكاميرات والتفتيش.**

 

وأضاف مغيث أن اتساع ظاهرة الغش خلال السنوات الماضية ارتبط بتراجع مستوى التعليم داخل المدارس الحكومية واعتماد أغلب الطلاب على مراكز الدروس الخصوصية، وهو ما خلق حالة فقدان ثقة واسعة بين الطلاب والمنظومة الرسمية.

 

ومن جهة أخرى شدد شادي زلطة على أن المجمعات الامتحانية الجديدة ستساعد الوزارة في إحكام الرقابة داخل اللجان عبر استخدام الكاميرات ووسائل التفتيش بصورة أكثر فاعلية، مع تقليل فرص تسريب الامتحانات أو حدوث تجاوزات جماعية داخل المدارس.

 

وسبق أن شهدت امتحانات الثانوية العامة خلال الأعوام الماضية وقائع تسريب متكررة لأسئلة الامتحانات عبر تطبيقات التواصل، ما دفع الوزارة إلى توسيع الإجراءات الأمنية داخل اللجان بصورة غير مسبوقة.

 

أعباء الأسر تتفاقم مع استمرار أزمة الثانوية

 

في المقابل تعيش آلاف الأسر المصرية حالة قلق متصاعدة مع اقتراب موعد امتحانات الثانوية العامة، باعتبارها المرحلة الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل الطلاب الجامعي والمهني داخل مصر.

 

وتزامنت استعدادات الامتحانات هذا العام مع ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الدروس الخصوصية والمراجعات النهائية، بينما تعاني قطاعات واسعة من الأسر من ضغوط اقتصادية حادة بسبب التضخم وتراجع القدرة الشرائية.

 

وأوضح الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن استمرار الاعتماد على الثانوية العامة بصيغتها الحالية خلق سوقًا تعليمية موازية تستنزف دخول الأسر سنويًا، في ظل تراجع كفاءة المدارس الحكومية وعجزها عن أداء دورها الأساسي.

 

وأشار فاروق إلى أن الحكومة تواصل تحميل المواطنين تكلفة فشل السياسات التعليمية عبر ترك الأسر فريسة للدروس الخصوصية، بدل تنفيذ إصلاح جذري يضمن تعليمًا مجانيًا فعليًا داخل المدارس الرسمية.

 

كذلك دفعت حالة التوتر المرتبطة بالثانوية العامة كثيرًا من الأسر إلى تكثيف الإنفاق على المراجعات الخاصة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما فقد أولياء الأمور الثقة في قدرة النظام التعليمي على توفير فرص متكافئة بين الطلاب.

 

وفي الوقت ذاته تؤكد الوزارة أن تشديد الرقابة داخل المجمعات الامتحانية يستهدف ضمان العدالة بين الطلاب ومنع استخدام وسائل الغش الحديثة مثل السماعات الدقيقة والأقلام الإلكترونية والكروت الذكية.

 

لكن مراقبين يرون أن توسع أدوات الرقابة الأمنية لا يعالج جذور الأزمة المرتبطة بتدهور جودة التعليم واعتماد الامتحان النهائي كمعيار وحيد لتحديد مصير مئات الآلاف من الطلاب كل عام.**

 

الغش الإلكتروني يكشف هشاشة المنظومة

 

بدورها امتنعت وزارة التربية والتعليم عن إعلان كامل تفاصيل خطط التأمين والرقابة الخاصة بامتحانات الثانوية العامة، مبررة ذلك بعدم منح الطلاب فرصة لتطوير وسائل غش جديدة أو الالتفاف على الإجراءات المعلنة.

 

وجاء هذا التوجه بعد سنوات من الأزمات المتكررة المرتبطة بالغش الإلكتروني وتسريب الامتحانات عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، رغم تشديد الإجراءات الأمنية داخل اللجان في كل موسم امتحاني.

 

وقال أستاذ علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن إن تضخم ظاهرة الغش داخل الثانوية العامة يعكس أزمة ثقة أوسع داخل المجتمع، حيث يشعر كثير من الطلاب بأن فرص العدالة الحقيقية داخل المنظومة التعليمية أصبحت محدودة.

 

وأضاف حسن أن تحويل المدارس إلى ساحات تفتيش أمني وكاميرات مراقبة لن ينهي الأزمة طالما بقيت أسبابها الاجتماعية والتعليمية قائمة، خاصة مع غياب تكافؤ الفرص بين الطلاب في المدن والقرى وبين القادرين وغير القادرين.

 

في المقابل تؤكد الوزارة أن المجمعات الامتحانية ستسهل عمليات المتابعة والإشراف داخل اللجان، مع تقليل احتمالات حدوث تجاوزات فردية أو جماعية أثناء أداء الامتحانات.

 

غير أن تصاعد الاعتماد على الحلول الأمنية يكشف استمرار ارتباك السياسات التعليمية خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت الثانوية العامة إلى موسم استنفار أمني وإداري يتكرر سنويًا دون معالجة جذرية للأزمة.

 

واخيرا مع اقتراب موعد الامتحانات تتزايد المخاوف من تكرار سيناريوهات الأعوام الماضية، سواء عبر تسريب الأسئلة أو تصاعد حالات الغش الإلكتروني، في وقت تبدو فيه الحكومة أكثر اهتمامًا بإحكام السيطرة على اللجان من إعادة بناء الثقة المفقودة في التعليم الحكومي نفسه.