أعلن منظمو أسطول الصمود العالمي، صباح الإثنين 18 مايو 2026، أن قوات بحرية إسرائيلية بدأت اعتراض سفن الأسطول المتجهة إلى غزة قرب قبرص وعلى مسافة تقارب 250 ميلا بحريا من القطاع، بينما تحدثت تقارير دولية عن اعتراض 10 قوارب وفقدان الاتصال بعدد أكبر من السفن المشاركة.

 

 

 

وجاء الاعتراض في وضح النهار ليعيد ملف الحصار البحري المفروض على غزة إلى واجهة المشهد، لا بوصفه إجراء أمنيا كما تقول إسرائيل، بل بوصفه واقعا يخنق الممر الإنساني ويمنع قافلة مدنية من اختبار حق الوصول إلى شعب أنهكته الحرب والنزوح ونقص المساعدات.

 

اقتحام في عرض البحر ورسالة إلى المتضامنين

 

قال الأسطول عبر منصاته إن سفنا عسكرية اعترضت القافلة، وإن قوات إسرائيلية اقتحمت أولى السفن، مطالبا بتوفير ممر آمن لمهمة وصفها بأنها إنسانية وسلمية وقانونية، وداعيا الحكومات إلى التحرك لوقف ما اعتبره أعمالا غير قانونية تهدف إلى إبقاء الحصار على غزة.

 

وبحسب وكالة رويترز، قال المنظمون إن القوات الإسرائيلية اعترضت 10 سفن، وفقدوا الاتصال بما مجموعه 23 سفينة من أصل 54، بينما ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن القافلة ضمت أكثر من 50 سفينة أو قاربا، وانطلقت من ميناء مرمريس التركي في محاولة لكسر الحصار البحري.

 

وفي المقابل، ذكرت وسائل إعلام عربية نقلا عن وسائل إسرائيلية أن جيش الاحتلال اعتقل نحو 100 مشارك في القافلة، بينما قال مراسلون إن 4 سفن حربية اقتربت من الأسطول وطلبت إيقاف محركات السفن، في مشهد أكد أن العملية لم تكن مجرد تحذير بحري بل بدء سيطرة فعلية.

 

وتكشف هذه التفاصيل أن إسرائيل اختارت التعامل مع قافلة مدنية بأدوات عسكرية كاملة، فالمسافة البحرية الكبيرة عن غزة والموقع القريب من قبرص يعززان الطابع السياسي والقانوني للاعتراض، خصوصا أن البث الحي من بعض السفن أظهر اقتراب قطع عسكرية قبل انقطاع التواصل.

 

إسرائيل تتمسك بالحصار وتهاجم رواية المساعدات

 

قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إنها لن تسمح بأي خرق للحصار البحري المفروض على غزة، ودعت المشاركين في أسطول الصمود إلى تغيير مسارهم والعودة فورا، بينما وصفت التحرك بأنه استفزازي، وادعت وسائل رسمية إسرائيلية أن القافلة لا تحمل مساعدات حقيقية.

 

وبينما تضع إسرائيل الحصار في إطار قانوني، يؤكد منتقدو الحصار أنه يفرض عقابا جماعيا على سكان غزة، لأن الحصار البحري قائم منذ سنوات طويلة ويقيد حركة الناس والبضائع، كما جاءت العملية الجديدة بعد اعتراضات مشابهة لقوافل حاولت الوصول إلى القطاع في 2025 وأبريل 2026.

 

كما سبقت العملية الحالية مؤشرات تصعيد واضحة، فقد نشرت صحف إسرائيلية أن البحرية تستعد لاعتراض الأسطول قبل وصوله إلى المياه القريبة من غزة، وقالت تقارير عربية إن سفنا مجهولة وزوارق سريعة تموضعت حول القافلة بعد دخولها المياه الدولية في البحر المتوسط.

 

لذلك لا تبدو الرواية الإسرائيلية عن منع خرق الحصار كافية لتبرير اقتحام سفن مدنية في عرض البحر، لأن المسألة لا تتعلق فقط بحدود بحرية متنازع على تفسيرها، بل بحق الوصول الإنساني إلى منطقة يعيش سكانها تحت ضغط شديد بسبب القصف والقيود ونقص الإمدادات.

 

غزة بين وقف نار هش وحصار مستمر

 

تأتي عملية اعتراض أسطول الصمود بينما يؤكد مسؤولون صحيون في غزة استمرار سقوط ضحايا رغم اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إذ نقلت رويترز أن نحو 870 فلسطينيا قتلوا في عمليات إسرائيلية منذ ذلك الاتفاق، وأن الاشتباكات والضربات لم تتوقف كليا.

 

وفي بيانات محلية منشورة قبل العملية، قالت وزارة الصحة في غزة إن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار بلغ 871 شخصا، مع 2562 مصابا، بينما تستمر عمليات انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، بما يعكس أن الهدنة السياسية لم تتحول إلى أمان فعلي داخل القطاع.

 

ومن هنا يكتسب الأسطول رمزيته الأساسية، فهو لا يملك قدرة عسكرية ولا يطرح نفسه بديلا عن المعابر، لكنه يحاول فضح فجوة واضحة بين حديث المجتمع الدولي عن المساعدات وبين واقع وصولها إلى سكان محاصرين، خصوصا بعدما أكدت منظمات دولية استمرار نقص الإمدادات الإنسانية.

 

كما أن القافلة حملت مئات النشطاء من عشرات الدول، وهو ما حولها إلى اختبار سياسي لحكومات كثيرة، لأن اعتقال متضامنين دوليين في المياه الدولية لا يضع إسرائيل وحدها تحت الضغط، بل يضع عواصمهم أيضا أمام سؤال حماية مواطنيها وموقفها من استمرار الحصار.

 

وتعيد العملية إلى الأذهان تاريخ أساطيل كسر الحصار، وعلى رأسها اعتراض سفينة مافي مرمرة عام 2010، ثم موجات لاحقة من القوافل التي انتهت غالبا بالسيطرة على السفن واحتجاز المشاركين وترحيلهم، وهو تاريخ جعل البحر المتوسط مسرحا متكررا لمواجهة الحصار.

 

في النهاية، لا تكشف واقعة الإثنين عن صدام بحري عابر، بل عن إصرار إسرائيلي على تحويل الحصار إلى قاعدة لا يجوز اختبارها حتى بسفن مدنية، وعن عجز دولي عن فتح ممر إنساني آمن إلى غزة، بينما يبقى سكان القطاع بين قصف متقطع وحصار دائم وقوافل لا تصل.