نفى المركز الإعلامي للأزهر الشريف اليوم عرض مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد على المؤسسة حتى الآن، وأكد أن الأزهر لم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال، رغم موافقة الحكومة في 29 أبريل 2026 على مشروع قانون الأسرة المكون من 355 مادة وإحالته إلى البرلمان.
ويفتح النفي الأزهري بابا واسعا للاتهام السياسي للحكومة، لأنها دفعت واحدا من أخطر قوانين المصريين إلى المجال العام وسط جدل حول الحضانة والرؤية والاستضافة والنفقة والطلاق، ثم ظهر الأزهر ليقول إنه خارج الصياغة، بما يترك الأسر بين مشروع حكومي ملتهب ومرجعية دينية تنفي المسؤولية.
الأزهر يرفع يده عن مشروع حكومي حساس
جاء بيان الأزهر بعد أسابيع من تسريبات ونقاشات إعلامية نسبت إلى المؤسسة مواقف متعددة من مشروع قانون الأحوال الشخصية، فقد أكدت مصادر منشورة سابقا وجود لجنة شكلها شيخ الأزهر وناقشت ملفات الاستضافة والحضانة والنفقة، قبل أن ينفي المركز الإعلامي لاحقا عرض المشروع الحالي عليه رسميا.
وبذلك لم تعد الأزمة في مادة واحدة أو ترتيب حضانة فقط، بل في مسار تشريعي غامض، لأن الحكومة وافقت على مشروع قانون يمس الزواج والطلاق والنسب والولاية والحضانة والرؤية، ثم وجد الرأي العام نفسه أمام سؤال أساسي، من راجع النص شرعيا قبل الدفع به.
كما أن نفي الأزهر لا يمكن التعامل معه كتصحيح بروتوكولي بسيط، لأن قانون الأحوال الشخصية للمسلمين يستند إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، وعندما تنفي المؤسسة الدينية الأهم مشاركتها في الصياغة، يصبح حديث الحكومة عن التوافق ناقصا ومفتوحا على أزمة ثقة.
وفي هذا السياق يخدم موقف الدكتور عبدالمنعم فؤاد، المشرف العام على الأروقة العلمية بالأزهر، محور التحفظ الشرعي، بعدما حذر من مقترحات وصفها بالهدامة في ملف الأسرة، وقال إن تنظيم الزواج والنفقة والحضانة ليس مجالا للعبث، وهي رسالة تضغط مباشرة على المشروع الحكومي.
الحكومة تمرر 355 مادة وسط غضب اجتماعي
أقرت الحكومة مشروع قانون الأسرة في 29 أبريل 2026 باعتباره قانونا جامعا لمسائل الأحوال الشخصية الموضوعية والإجرائية، بعد تشتيت الأحكام بين عدة قوانين قديمة، وتحدثت عن 355 مادة تشمل الولاية على النفس والولاية على المال وإجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة.
لكن ضخامة المشروع لا تعني نضجه السياسي أو المجتمعي، فالقانون لا ينظم ملفا إداريا محدودا، بل يتدخل في أدق تفاصيل البيوت المصرية، من توثيق الطلاق إلى النسب والحضانة والاستضافة والنفقة، ولذلك يصبح تمريره السريع دون وضوح موقف الأزهر مغامرة اجتماعية لا إصلاحا هادئا.
كذلك طرح المشروع تعديلات واسعة، منها تقليص مدة توثيق الطلاق إلى 15 يوما، وعدم الاعتداد بالطلاق الشفهي غير الموثق، وتنظيم تحليل البصمة الوراثية في النسب، ووضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم في الحضانة، واستحداث نظام الاستزارة لتنظيم استضافة الطفل.
وهنا يخدم رأي المحامي خالد رجب، المتخصص في قضايا الأسرة، محور العيوب القانونية داخل المشروع، لأنه وصف بعض مواد النفقة بأنها مطاطة وتترك السلطة التقديرية للقاضي دون معيار واضح، كما حذر من ثغرات في الاستضافة والرؤية الإلكترونية قد تهدد تنفيذ الأحكام وحماية الطفل.
الحضانة والاستضافة والنفقة تكشف ثمن الارتباك
تتصدر الحضانة قلب الجدل، لأن المشروع يضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم مع الإبقاء على سن الحضانة حتى 15 عاما وإتاحة تخيير الطفل بعدها، وهي صيغة فجرت مخاوف أمهات ومعارضين رأوا أن الترتيب الجديد قد يوسع النزاع بدلا من تقليله.
وفي المقابل، يقول المدافعون عن التعديل إن ضعف صلة الطفل بالأب وأهله بعد الطلاق تسبب في أضرار نفسية واجتماعية، لكن هذا التبرير لا يعفي الحكومة من وضع ضمانات تفصيلية، لأن الطفل لا يحتاج شعارات توازن، بل يحتاج نظام تنفيذ آمن لا يحوله إلى موضوع شد وجذب.
أما الاستزارة، فقد ظهرت كبديل أو تطوير لفكرة الرؤية، لكنها فتحت أسئلة أكثر مما أغلقت، لأن المشروع يتحدث عن مبيت المحضون لفترات سنوية محددة، بينما يبقى الخوف قائما من عدم عودة الطفل أو استخدام الاستضافة للضغط على الحاضن أو تعطيل الدراسة والاستقرار.
وفي هذا المحور يخدم رأي نهاد أبو القمصان، المحامية الحقوقية، زاوية جوهر الأزمة، لأنها قالت إن المشكلة ليست خناقة بين الرجال والنساء، بل غياب دور الدولة والتنظيم الذي يجمع قضايا النفقة والحضانة والرؤية والتمكين والطلاق في ملف واحد يحسم خلال 30 يوما.
قانون الأسرة يحتاج مصارحة لا إدارة ارتباك
تكشف الأزمة أن الحكومة تحاول تقديم القانون باعتباره إصلاحا تاريخيا، بينما تعجز عن تقديم مسار تشريعي شفاف يحدد من شارك ومن راجع ومن اعترض، ومن هنا يصبح نفي الأزهر ضربة سياسية لصورة المشروع، لأنه ينسف الانطباع بأن القانون خرج من توافق مؤسسي واضح.
ثم إن الأسرة المصرية لا تحتاج قانونا مكتوبا بلغة كبيرة فقط، بل تحتاج آليات تنفيذ تمنع دوران النساء والأطفال والآباء داخل المحاكم لسنوات، وتحدد النفقة بسرعة، وتنظم الرؤية والاستضافة بوضوح، وتمنع التلاعب بالإعلانات والأحكام، وتحفظ للأطفال حياة مستقرة وكريمة.
لذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إن المشروع منفتح على الحوار أو قابل للتعديل، لأن الأزمة بدأت من غياب المصارحة قبل الوصول إلى البرلمان، وكان الواجب إعلان النسخة النهائية للرأي العام، وبيان موقف الأزهر والحقوقيين والمحامين والقضاة قبل تحويل الأسر إلى حقل تجربة قانونية.
وفي النهاية، يضع نفي الأزهر الحكومة أمام سؤال لا يمكن تجاوزه، كيف يمر مشروع قانون الأحوال الشخصية بهذا الحجم دون إعلان واضح عن مراجعته الشرعية والمؤسسية، فالقانون الذي سيحكم البيوت المصرية لا يجوز أن يولد وسط تنازع روايات، ولا أن تدفع الأسر ثمن ارتباك الدولة.

