كشفت واقعة اصطياد قرش ماكو في مدينة القصير بالبحر الأحمر عن فشل أوسع في إدارة ملف القروش وحماية الحياة البحرية، بعدما انتقلت الحادثة من مطاردة قرب الشاطئ إلى جدل علمي ورسمي حول غياب البروتوكولات وتعثر مشروع تتبع القروش الذي كلف الدولة ملايين الجنيهات.

 

وتضع الواقعة وزارة البيئة والجهات المعنية بالمحميات أمام مسؤولية مباشرة، لأن الخطر لا يبدأ من ظهور قرش قرب الساحل، بل من إدارة مرتبكة لا تملك قاعدة بيانات معلنة ولا خطة استجابة موحدة، فتتحول كل حادثة إلى ذعر شعبي ومطاردة عشوائية وخسارة بيئية وسياحية.

 

مطاردة قرش بدل إدارة الأزمة

 

بدأت الحادثة مع انتشار مقاطع مصورة تظهر مطاردة قرش ماكو قرب شاطئ مدينة القصير قبل اصطياده، في مشهد بدا للبعض حماية عاجلة للمواطنين، بينما رآه متخصصون تعاملا غير علمي مع كائن بحري نادر الظهور قرب مناطق السباحة ومرتبط عادة بالمياه المفتوحة.

 

ثم أصدر المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بيانا انتقد فيه طريقة التعامل مع القرش، ووصف ما حدث بأنه سلوك مرفوض بيئيا وعلميا، مؤكدا أن التعامل مع الكائنات البحرية الكبيرة يحتاج إلى بروتوكولات دقيقة لا إلى اجتهادات فردية ومطاردات عشوائية تثير الذعر.

 

لكن حذف البيان بعد ساعات قليلة عمق الشكوك بدلا من إغلاقها، لأن البيان حمل موقفا علميا واضحا ثم اختفى من المنصات الرسمية دون تفسير معلن، وهو ما جعل الحادثة تبدو كأنها أزمة شفافية داخل المؤسسات المختصة قبل أن تكون أزمة قرش قرب الشاطئ.

 

ويرى ياسر بهاء، رئيس مركز غوص أكوانوت ريد سي، أن الغواصين المحترفين لا يتعاملون مع وجود القروش كحالة ذعر، لأن أغلب الحوادث ترتبط بملابسات وحركات عشوائية، بينما تكمن المشكلة الأكبر في غياب التنسيق بين المحميات ووزارة البيئة وغرف سياحة الغوص.

 

قرش جائع يكشف غياب الرصد

 

أظهرت نتائج تشريح القرش، بحسب أستاذ الأحياء البحرية محمود معاطي، أن السمكة كانت في حالة جوع شديد، إذ لم يتجاوز وزن الكبد 4.5 كيلوجرام من وزن إجمالي بلغ 160 كيلوجراما، بينما كانت المعدة خالية تماما، ما يرجح وجود خلل في الحالة الحيوية للكائن.

 

كما أوضح معاطي أن قرش ماكو يعيش غالبا في المياه العميقة وبعيدا عن البشر، ولذلك فإن ظهوره في منطقة ضحلة يستخدمها الأطفال للسباحة يعد سلوكا غير معتاد، لكنه انتقد في الوقت نفسه قرار اصطياده دون الرجوع إلى المتخصصين أو محاولة إدارة الموقف بهدوء.

 

وفي المقابل، رأى أستاذ البيئة البحرية محمود حنفي أن خوف الأهالي كان مفهوما بسبب وجود القرش قرب منطقة يرتادها الأطفال، لكنه أقر بأن اصطياده دون تشكيل خطر مباشر أعطى انطباعا سلبيا عن طريقة التعامل مع الحياة البحرية، وكان الأفضل محاولة إرجاعه إلى المياه العميقة.

 

وتكشف هذه الآراء أن الدولة لا تواجه معضلة بين حماية الإنسان أو حماية القرش، بل تواجه عجزا في بناء إجراءات واضحة تجمع التحذير والإخلاء المؤقت والرصد والتعامل المتخصص، بحيث لا يترك المواطنون أمام الخوف ولا تترك الكائنات البحرية أمام القتل الاستعراضي.

 

وتزداد حساسية الواقعة لأن البحر الأحمر شهد خلال العقدين الماضيين حوادث هجمات قروش في مرسى علم والغردقة وشرم الشيخ والقصير، ما رسخ خوفا شعبيا مفهوما، لكن تحويل الخوف إلى سياسة اصطياد لا يعالج الخطر بل يكرس العجز العلمي والإداري.

 

خسارة سياحية ومشروع تتبع معطل

 

ينتمي قرش ماكو قصير الزعنفة إلى الأنواع المصنفة عالميا ضمن الكائنات المهددة، وتزيد هذه الحقيقة ثقل الخسارة، لأن قتل كائن بهذه القيمة لا يمس التوازن البيئي فقط، بل يضرب أيضا أحد عناصر الجذب التي تقوم عليها سياحة الغوص في البحر الأحمر.

 

ويؤكد أيمن طاهر، الخبير في السياحة البيئية والغوص بالبحر الأحمر، أن القروش تمثل العمود الفقري لسياحة الغوص، وأن رحلة السفاري الواحدة التي تستمر أسبوعا تصل كلفتها للفرد إلى نحو 1200 يورو، بينما قد تحقق سمكة قرش واحدة دخلا سياحيا كبيرا من رحلات المشاهدة.

 

على هذا الأساس، يصبح التعامل العشوائي مع القروش إضرارا اقتصاديا قبل أن يكون خطأ بيئيا، لأن البحر الأحمر لا ينافس عالميا بالشواطئ فقط، بل بتنوعه البحري ومواقع الغوص وقدرة الزائر على مشاهدة كائنات كبيرة في بيئتها الطبيعية ضمن منظومة آمنة ومنظمة.

 

وتفتح الواقعة ملف مشروع تتبع القروش الذي أطلقته وزارة البيئة قبل سنوات، بعدما كشفت معلومات منشورة أن البرنامج بدأ بخطوات تجريبية شملت تركيب 3 أجهزة فقط من أصل 50 جهازا جرى التعاقد عليها ضمن خطة كلفت نحو 5 ملايين و500 ألف جنيه.

 

ورغم إعلان وزارة البيئة في يونيو 2025 استئناف برنامج رصد وتتبع أسماك القرش وتركيب أجهزة بالأقمار الصناعية، فإن واقعة القصير أعادت السؤال نفسه بقوة، أين نتائج الرصد، وأين التقارير العلمية، ولماذا لا توجد قاعدة بيانات منشورة تساعد على فهم حركة القروش وتحذير الشواطئ مبكرا.

 

ويقول محمود فؤاد، المسؤول السابق بقطاع حماية الطبيعة، إن الدولة تكرر السيناريو نفسه منذ 2006، حادثة قرش ثم مطاردة ثم بيانات إعلامية، دون بناء منظومة بحثية طويلة المدى، مؤكدا أن غياب التقرير العلمي يجعل إقناع الصياد أو المواطن بأي قرار مهمة شبه مستحيلة.

 

لذلك تبدو أزمة قرش ماكو في القصير أكبر من سمكة جائعة اقتربت من الشاطئ، لأنها كشفت إدارة رسمية تتأخر في الرصد وتضطرب في التصريح وتحذف بيانا علميا وتترك مشروع التتبع بلا نتائج معلنة، بينما يدفع البحر الأحمر وسياحة الغوص فاتورة الفوضى.

 

وفي النهاية فأن حماية المصطافين لا تتحقق بقتل كل قرش يظهر في المياه، بل بمنظومة علمية تقرأ السلوك وتغلق مناطق الخطر مؤقتا وتبلغ الناس بوضوح وتحافظ على الكائنات البحرية، أما إدارة الملف بالخوف والارتجال فتعني أن حادثة القصير لن تكون الأخيرة.