محمد جمال عرفة
كاتب صحافي مصري
بالتزامن مع ملامح تراجع في الهيمنة الأميركية عالميًا، وتخلي بعض الدول عن الدولار كعملة أمان واحتياطي أجنبي لمصلحة الذهب وعملات أخرى، يشهد العالم بعض العزوف عن التعامل مع شبكة سويفت SWIFT المالية التي تهيمن عليها أميركا وأوروبا، وهي "نظام مراسلة" فوري يربط البنوك والمؤسسات المالية لضمان سرعة التحويلات المالية الدولية، ويرسل أكثر من 40 مليون رسالة يوميًا.
وشبكة سويفت، تأسست مع تصاعد الحرب الباردة بين الكتلة الغربية والشرقية، في مايو 1973 بالعاصمة البلجيكية بروكسل، باتفاق بين 239 بنكًا من 15 دولة على إنشاء رابط عالمي مشترك لتبادل البيانات المالية بدلًا من نظام التلكس القديم، وبدأت عملها عام 1977 وأصبحت منذ ذلك الحين "العمود الفقري" للمدفوعات الدولية، وخلال السنوات الماضية بدأت ملامح الخريطة المالية العالمية تتغير مع تخلي مزيد من الدول عن تلك الشبكة الحيوية. فقد أطلقت الصين نظام (CIPS) ليكون بديلًا لسويفت في تسوية المعاملات العابرة للحدود باليوان، ما يدعم تدويل العملة الصينية، وأصبح Mir هو البديل المحلي في روسيا لبطاقتي فيزا وماستركارد، بينما يعمل نظام SPFS بديلًا لسويفت في المراسلات المالية.
وأحدث نظام (UPI) ثورة في الهند، فهو لا يعالج المدفوعات المحلية فحسب، بل بدأت دول مثل الإمارات وسنغافورة وفرنسا في قبوله، لأنه يقوم على الابتكار التكنولوجي بدلًا من المواجهة الجيوسياسية، ما جعله يصبح أحد أكبر أنظمة الدفع الفوري في العالم، مع مئات المليارات من العمليات سنويًا. وفي أميركا اللاتينية، تقدم البرازيل مثالًا آخر على نجاح الأنظمة الوطنية، من خلال نظام Pix على البطاقات الائتمانية والتحويلات التقليدية الذي أطلقه البنك المركزي ونجح خلال فترة قصيرة في تجاوز وسائل الدفع التقليدية، محققًا طفرة في الشمول المالي، ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره دليلًا على قدرة الدول النامية على بناء بنى مالية رقمية مستقلة وفعّالة دون الاعتماد الكامل على الشركات العالمية.
أيضا دخل حليف أميركا الأكبر -أوروبا- على الخط باستعمال نظام (Wero)، لتعزيز استقلالها المالي، وهو محفظة رقمية تنافس فيزا وماستركارد وآبل باي وغوغل باي، ويقدم كل الخدمات ولا يحتاج لأي بطاقة أخرى في العالم، ما يعد تحديًا لمؤسستي فيزا وماستركارد الأميركيتين، ومع أن المشروع لا يزال في طور التوسع، فإنه يعكس توجهًا أوروبيًا متزايدًا بضرورة امتلاك بنية تحتية مالية مستقلة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
تراجع الهيمنة الأميركية
أهمية هذا التطور أنه يأتي استكمالًا لما يشهده النظام المالي العالمي في السنوات الأخيرة من تحولات تدريجية لكنها عميقة، تعكس سعي عدد متزايد من الدول إلى تقليص اعتمادها على الأدوات المالية التي لطالما هيمنت عليها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها شبكة سويفت. بالطبع، لا يعني هذا التحول بالضرورة انهيار النظام القائم (سويفت) لأنه لا يزال يتمتع بانتشار عالمي وتكامل عميق يصعب تعويضه في مدى قصير، لكن يشير إلى بداية تشكيل نظام مالي أكثر تعددية، تتوزع فيه مراكز القوة بدلًا من تمركزها في قطب واحد هو أميركا، ولكنها في كل الأحوال أخبار غير مبشرة لواشنطن.
وصحيح أن الأنظمة البديلة تعاني من التشتت، إذ تعمل كل منها ضمن نطاق جغرافي أو سياسي محدد، دون وجود شبكة موحدة تربطها جميعًا بفعالية، إلا أن هناك قلقًا أميركيًا من الشروع في تدشين تحالف عالمي يوحّد هذه التطبيقات التي أنشأتها دول منافسة مختلفة مستقبلًا، أي تحالفها في تشكيل نظام مالي جديد للتحويلات بديل عن سويفت. فهذه خطوة أولى نحو تحول تدريجي من نظام مالي أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تتعايش عدة شبكات وأنظمة، بعضها يتنافس وبعضها يتكامل، وهذا التحول لا يحدث فجأة، بل عبر عملية تراكمية تدفعها التكنولوجيا، والسياسة، والرغبة في تقليل الاعتماد على مراكز القوة التقليدية (أميركا)، واستراتيجية طويلة المدى وليست بديلًا فوريًا.
العقوبات عجّلت بالتخلي عن سويفت
من الواضح أن الدافع الرئيسي وراء هذه التحولات هو تزايد توظيف أميركا الأدوات المالية مثل العقوبات الاقتصادية وغيرها في الصراعات الجيوسياسية، فقد أدى استبعاد دول مثل روسيا من نظام سويفت إلى تسريعها إنشاء بدائل وطنية وإقليمية، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها "السيادة المالية" ورفض الهيمنة المالية الأميركية. وأدت قرارات مثل استبعاد روسيا من سويفت إلى دفع دول عديدة لإعادة التفكير في مدى اعتمادها على نظام واحد يمكن استخدامه سلاحًا سياسيًا، ومن هنا بدأت تظهر مشاريع موازية تسعى إلى بناء قنوات دفع مستقلة أو بديلة.
فالتجربة الروسية شجّعتها العقوبات الأميركية، واضطرت موسكو لتدشين نظام SPFS بديلًا محليًا لوظائف سويفت، إلى جانب نظام البطاقات Mir الذي حلّ محل فيزا وماستركارد، وهذه الأنظمة مكّنت روسيا من الحفاظ على قدر من الاستمرارية المالية على الرغم من العزلة الغربية، وإن كانت لا تزال محدودة الانتشار دوليًا. أيضا ساهم في هذا التمرد على النظام المالي الأميركي بروز الصين كأحد الفاعلين المؤثرين في النظام المالي العالمي، عبر تطوير نظام CIPS الذي يتيح تسوية المعاملات العابرة للحدود باستخدام اليوان، فهذا النظام، الذي انطلق عام 2015، توسع تدريجيًا ليشمل آلاف المؤسسات المالية في عشرات الدول، ويُنظر إليه بوصفه أداة مركزية ضمن استراتيجية بكين لتدويل عملتها وتقليل الاعتماد على الدولار.
ما يجري ليس سقوطًا لسويفت، بل تفكك تدريجي لاحتكاره، والعالم لا يستبدل فورًا نظامًا بآخر، بل يبني عدة أنظمة متوازية، حيث تتحول القوة المالية من مركز واحد إلى شبكة موزعة من القوى، ولكن كل هذا يُعدّ انتقاصًا من الهيمنة المالية الأميركية ومؤشرًا سلبيًا لها مستقبليًا. وربما لا يشهد العالم حاليًا نهاية نظام مالي بقدر ما يعيش مرحلة إعادة تشكيله، لكنّ مجرد البدء في تفكيك الهيمنة المطلقة لنظام واحد، وتحوّل الأمور نحو شبكة معقدة من الأنظمة المتوازية، تتوزع السلطة المالية فيها بين قوى متعددة، لا يبشر بخير للنظام المالي الأميركي، والسؤال هنا لن يكون: من يحلّ محلّ سويفت؟ بل كيف ستتفاعل هذه الأنظمة المختلفة لتعيد رسم خريطة العاملات المالية العالمية في العقود المقبلة؟
السؤال الأهم هو: هل سيقود هذا التعدد إلى نظام مالي أكثر توازنًا وعدالة، أم إلى مزيد من الانقسام والتنافس بين القوى الكبرى؟ وعلى الرغم من السؤال فإنه من المؤكد أن عصر النظام الواحد يقترب من نهايته، ليحل محله عالم ماليّ أكثر تعقيدًا وأقلّ قابلية للاحتكار.

