أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر خلال مايو 2026 تحريك أسعار بعض خدمات الاتصالات بنسبة تتراوح بين 9% و15% في باقات محددة شاملة الضرائب، لتتحول فاتورة الإنترنت الأرضي والمحمول إلى عبء إضافي على ملايين الأسر التي تعتمد على الاتصال اليومي في الدراسة والعمل والخدمات الحكومية.
وتأتي الزيادة بينما تكشف تقارير الشكاوى الرسمية استمرار مشكلات الإنترنت الثابت وخدمات المحمول، بما يجعل المواطن يدفع سعرا أعلى مقابل خدمة لا تقدم له استقرارا مضمونا، في وقت توسع فيه الحكومة التحول الرقمي وتفرض على الناس إنجاز التعليم والدفع والتوثيق والمتابعة عبر اتصال غير ثابت.
زيادات متتابعة تضغط الأسر وتكشف غياب حماية المستخدم
بعد قرار مايو 2026 ظهرت أسعار باقات الإنترنت الأرضي الجديدة من وي بسرعة حتى 30 ميجابت، حيث وصلت باقة 150 جيجابايت إلى 296.4 جنيه بعدما كانت باقة 140 جيجابايت بسعر 239.4 جنيه، وارتفعت باقة 200 جيجابايت إلى 376.2 جنيه بعد 330.6 جنيه.
وبذلك لم تعد الأزمة في زيادة رقمية على فاتورة شهرية فقط، لأن الأسرة المصرية التي تستخدم الإنترنت للدراسة والعمل والدروس الإلكترونية والخدمات الحكومية صارت مطالبة بدفع اشتراك أعلى، ثم شراء سعات إضافية عند نفاد الباقة، بينما تظل سرعة الاستخدام الفعلية مرتبطة بجودة الخط والمنطقة والتحميل على الشبكة.
كما أعلن الجهاز إتاحة المواقع الحكومية والتعليمية مجانا بعد نفاد الباقة، لكن هذا الإجراء لا يعالج أصل الأزمة، لأن المستخدم لا يحتاج مواقع محددة وحدها، بل يحتاج اتصالا مستقرا لمنصات الدراسة والاجتماعات والعمل الحر والخدمات البنكية والتواصل اليومي مع المدارس والجامعات وجهات العمل.
وفي هذا المحور يرى الدكتور حمدي الليثي خبير الاتصالات ونائب رئيس غرفة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سابقا أن الحديث عن إنترنت غير محدود يحتاج قدرة شبكية واستيعابا فعليا للضغط، وهو طرح يضع الحكومة أمام سؤال واضح عن سبب رفع الأسعار قبل ضمان قدرة الخدمة على تلبية احتياجات المستخدمين.
أما الدكتور محمد سالم وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق فقد تناول في كتاباته تسارع التحول الرقمي واتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي، وهو سياق يزيد الحاجة إلى إنترنت مستقر وعادل، لأن المواطن لا يدخل الشبكة للترفيه فقط، بل يدخلها كي ينجز تعليمه وعمله وخدماته الأساسية.
بنية تحتية غير مستقرة ومستخدم يدفع ثمن الأعطال
ثم جاءت أزمة حريق سنترال رمسيس في يوليو 2025 لتكشف هشاشة الاعتماد على مراكز حيوية في شبكة الاتصالات، إذ ألزم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الشركات بتقديم تعويض لمستخدمي المحمول بواحد جيجابايت، وتعويض مستخدمي الإنترنت الثابت بعشرة جيجابايت أو خمسة جيجابايت على المحمول عند عدم انتظام الخط الثابت.
لاحقا أقر الجهاز تعويضات إضافية للمتضررين من اضطراب الخدمة، بينها 50% من الباقة الأساسية لمستخدمي الإنترنت الثابت مسبقي الدفع وخصم 30% لمستخدمي الفاتورة، وهو اعتراف رسمي بأن الانقطاع لم يكن واقعة عابرة محدودة، بل أزمة مست قطاعات واسعة من المستخدمين.
وفي المقابل تظهر تقارير الجهاز أن معدل شكاوى الإنترنت الثابت بلغ 355 شكوى لكل 100 ألف مشترك في النصف الثاني من 2025، مع تفاوت كبير بين الشركات، إذ سجلت أورنج 1452 شكوى لكل 100 ألف مشترك، وسجلت إي آند 1286 شكوى، وسجلت فودافون 753 شكوى.
لذلك يصبح حديث الحكومة عن تحسين الجودة غير كاف عندما ترتفع الأسعار بينما تثبت تقاريرها أن الشكاوى مستمرة، لأن المواطن لا يحاسب على وعود مستقبلية، بل يدفع مقدما مقابل خدمة شهرية، وإذا انقطعت الخدمة أو تراجعت السرعة يتحمل تعطيل الدراسة والعمل والاتصال والمصالح اليومية.
ويربط الدكتور خالد شريف مساعد وزير الاتصالات الأسبق جانب التكلفة ببنية القطاع عندما يقول إن خدمات الاتصالات تعتمد على مكونات مستوردة قد تصل إلى 60% أو 70% من إجمالي تكلفة الخدمة، لكن هذا التفسير لا يعفي الحكومة من واجب حماية المستخدم من نقل كل الصدمات إليه.
كذلك تؤكد خبرة الدكتور فاضل ديغم كبير خبراء البنية التحتية والمشروعات القومية بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن التطوير الفني لا ينفصل عن بناء شبكة قادرة على الاستيعاب، لأن زيادة السرعات والتقنيات الجديدة لا تعني شيئا للمستخدم إذا ظل الخط المنزلي ينقطع أو تنفد الباقة مبكرا.
رقابة حكومية تبرر الزيادة ولا تضمن الخدمة
وقبل تمرير الزيادة نفى الجهاز في مارس 2026 ما تردد عن زيادة بنسبة 30%، ثم أكد أن أي تحريك للأسعار يخضع لدراسة تحقق التوازن بين حماية مصالح المستخدمين واستدامة الاستثمارات، لكن قرار مايو كشف أن كفة الشركات حصلت على الزيادة بينما بقيت ضمانات المستخدم محدودة وغير معلنة بآليات عقابية صارمة.
وعلى المستوى التنظيمي يفرض ميثاق حقوق وواجبات المستخدمين التزامات على الشركات في مراحل الاشتراك والاستخدام والتحاسب، بينها متابعة الاستهلاك والأمور المالية، غير أن التطبيق العملي لا يمنع الشكاوى من نفاد الباقات أو ضعف السرعة أو صعوبة استرداد الحقوق دون تصعيد طويل.
وفي هذا السياق تكتسب تجربة المهندس مصطفى عبد الواحد أهميتها، لأنه تولى رئاسة لجنة حماية حقوق المستخدمين وكان قائما بأعمال رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بما يجعل ملف الحوكمة وحماية المستخدمين جوهر الأزمة لا هامشا إداريا يمكن تجاوزه عند كل زيادة جديدة.
كما طالب الدكتور عمرو بدوي الرئيس السابق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بتوفير الطيف الترددي اللازم لتقديم خدمات الجيل الخامس بكفاءة، وهو مطلب يربط مستقبل الخدمة بقرارات تنظيمية وفنية واضحة، لا بمجرد إعلان تراخيص أو رفع أسعار دون ضمان أثر ملموس على المستخدم.
ومن ثم تتحول زيادة أسعار الإنترنت في مصر إلى نموذج لسياسة حكومية تحمل المواطن تكلفة التضخم وسعر الصرف والاستثمار، ثم تطالبه بالصبر على الأعطال والشكاوى، بينما تواصل الدولة رقمنة الخدمات العامة وتجعل الاتصال بالإنترنت شرطا عمليا للتعليم والعمل والتعامل مع مؤسساتها.
وفي النهاية لا تكمن معاناة المصريين في سعر الباقة وحده، بل في معادلة ظالمة تجمع بين زيادة السعر وعدم ثبات الخدمة وضيق السعة وضعف أدوات المحاسبة، ولن تنتهي الأزمة إلا بربط أي زيادة جديدة بمؤشرات جودة معلنة وتعويض تلقائي فعلي وغرامات واضحة على الشركات المقصرة.

