كشفت مصادر داخل وزارة الصحة عن خطة حكومية جديدة في القاهرة لفرض تعريفة موحدة على أكياس الدم ومشتقاته، تحدد سعر الكيس في المستشفيات الحكومية بـ600 جنيه وفي المستشفيات الخاصة بـ1300 جنيه، وسط أزمة نقص حادة دفعت مرضى الفصائل النادرة إلى السوق السوداء.

 

ويأتي المقترح الحكومي بينما يعاني المرضى وذووهم من رحلة بحث مهينة عن كيس دم قد يحدد مصير عملية جراحية أو حالة طارئة، إذ تتحرك الحكومة نحو تسعير الأزمة بدل معالجة جذورها المتعلقة بندرة التبرع وضعف الرقابة وتآكل الثقة في منظومة بنوك الدم.

 

تعريفة حكومية تثبت الأزمة ولا تكسر الاحتكار

 

بحسب مصادر بوزارة الصحة، يخضع المقترح حاليا لمراجعة قانونية لدى المستشار القانوني لوزير الصحة، لأن تطبيق التعريفة يحتاج إلى تعديلات في اللوائح المالية داخل المستشفيات العامة والمركزية وأمانة المراكز الطبية المتخصصة ومراكز خدمات نقل الدم القومية.

 

ومن المقرر، حال اعتماد مجلس الوزراء للتعريفة، أن يرتفع سعر كيس الدم في مراكز خدمات نقل الدم القومية من 310 جنيهات إلى 600 جنيه، بينما يلتزم القطاع الخاص بسقف 1300 جنيه، في محاولة رسمية للحد من تفاوت الأسعار داخل المستشفيات الخاصة.

 

وتقول المصادر إن خبراء وزارة الصحة أجروا دراسة فنية لتحديد التكلفة الفعلية، مع ضمان هامش ربح للمستثمرين في القطاع الخاص، وهو تبرير يفتح بابا سياسيا حساسا، لأن الدم يتكون من تبرعات المواطنين ثم يعود إليهم بسعر يرهق المرضى وقت الخطر.

 

وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد صبري، طبيب أمراض الدم، إن المشكلة لا تبدأ من سعر الكيس وحده، بل من الاتجار في العملية بكاملها، لأن جهات تحصل على الدم من متبرعين ثم تبيعه لبنوك أو مستشفيات، ما يستدعي رقابة حكومية تمنع التربح والاستغلال.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي قرار التسعير وحده لحماية المرضى، لأن السوق السوداء لا تنمو بسبب غياب السعر فقط، بل بسبب نقص المخزون وغياب الشفافية وضعف قدرة الأسرة على معرفة الطريق الرسمي للحصول على الدم عند الطوارئ.

 

فجوة التبرع تدفع المرضى إلى مناشدات ووسطاء

 

وتشير بيانات الأزمة إلى أن المستشفيات تحتاج إلى نحو 4 ملايين كيس دم سنويا لتغطية العمليات الجراحية وحوادث الطرق والولادات القيصرية والحالات الحرجة، بينما لا يتجاوز المتاح مليون كيس فقط، وهو عجز يضغط خصوصا على الفصائل النادرة.

 

لذلك تتراجع قدرة المستشفيات العامة والخاصة على التعامل مع فصائل مثل أو سالب وبي سالب وإيه بي سالب، وتتحول الحالات الطارئة إلى مناشدات على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يجد المرضى أنفسهم أمام وسطاء يبيعون الحاجة في لحظة ضعف.

 

وتؤكد الدكتورة مها الزميتي، أستاذة أمراض الدم بطب عين شمس، أن الأزمة ترتبط بثقافة التبرع الغائبة، لأن كثيرين لا يتبرعون إلا عند وجود حالة حرجة، بينما يحتاج النظام إلى تبرع منتظم ومنظم يحمي المرضى من ضغط الوقت وسماسرة الحاجة.

 

كما تشرح الزميتي أن أزمة مشتقات الدم والبلازما لا تقل خطورة عن أزمة الفصائل النادرة، لأن بعض الاحتياجات الطبية لا تتوقف عند نقل كيس دم كامل، بل تمتد إلى منتجات دم محددة تتطلب منظومة أكثر كفاءة في الجمع والفصل والتخزين.

 

وعلى المستوى الدولي، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدل التبرع بالدم يصل إلى 31.5 تبرعا لكل 1000 شخص في الدول مرتفعة الدخل، و16.4 في الدول فوق متوسطة الدخل، بينما تكشف الأرقام المتداولة محليا فجوة كبيرة في ثقافة التبرع داخل مصر.

 

وبسبب هذه الفجوة، يعتمد كثير من المرضى على الأقارب والمتبرعين بالطلب الشخصي، وهو نموذج ينهار عند الفصائل النادرة أو الحالات العاجلة، ويحوّل الحق في الدم الآمن إلى سباق خاص بين أسرة المريض والوقت وشبكات الاستغلال.

 

طلب إحاطة يكشف سعر 30 ألف جنيه وغياب الثقة

 

في نهاية أبريل، تقدمت النائبة صافيناز طلعت، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بطلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب، موجها إلى وزير الصحة، بشأن نقص أكياس الدم من الفصائل النادرة داخل المستشفيات ومعاناة المرضى في الحالات الحرجة.

 

وأوضحت طلعت أن السوق الصحية تشهد اختلالا واضحا في توافر الفصائل النادرة، خصوصا في الجراحات العاجلة وحوادث الطرق والولادات القيصرية وأمراض الدم المزمنة مثل الثلاسيميا والأنيميا، وهو اختلال ينعكس مباشرة على قدرة المستشفيات على إنقاذ المرضى.

 

ثم حذرت النائبة من أن غياب الإمداد الكافي يدفع الأسر إلى مسارات غير منظمة، تبدأ بمنشورات استغاثة وتنتهي بتكاليف قد تتجاوز 30 ألف جنيه لكيس الدم في بعض الحالات، وهو رقم يحول الأزمة الصحية إلى استنزاف مالي مباشر.

 

وتربط طلعت الأزمة أيضا بانهيار الثقة، لأن عددا من المواطنين يحجم عن التبرع نتيجة تصورات متزايدة عن إعادة بيع الدم وتحقيق أرباح من تبرعات مجانية، وهي تصورات لم تفككها الحكومة بسياسة واضحة تكشف مسار الكيس من المتبرع إلى المريض.

 

وفي السياق نفسه، تقول الدكتورة لميس رجب، عميد قصر العيني الأسبق، إن الفصائل العادية قد تكون متاحة في أوقات كثيرة، لكن الفصائل النادرة وأقسام الطوارئ والغسيل الكلوي والعمليات تتضرر من ضعف تعاون المواطنين ومن غياب نظام يضمن الإمداد العادل.

 

وعلى الرغم من اجتماع وزير الصحة خالد عبد الغفار في أكتوبر الماضي بمجلس مراقبة عمليات الدم لمناقشة توحيد الأسعار وضبط حملات التبرع وتشديد الرقابة على بنوك الدم الخاصة، لم يشعر المرضى بتحسن ملموس في رحلة الحصول على الفصائل النادرة.

 

كما ناقش الاجتماع ميكنة بنوك الدم بنهاية 2026، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية تربط المخزون الاستراتيجي بغرفة الطوارئ، مع خطة للوصول إلى فحص الحمض النووي لكل أكياس الدم بنهاية 2027، وهي خطوات تبقى مؤجلة أمام أزمة يومية لا تنتظر الجداول الزمنية.

 

لذلك يبدو مقترح التعريفة الجديدة كاشفا لطريقة إدارة حكومية تضع سعرا للأزمة قبل أن تضع نظاما عادلا لتوزيع الدم، فالمريض لا يحتاج إلى سقف سعري فقط، بل يحتاج إلى مخزون معلن ورقابة صارمة وحملات تبرع مستمرة ومحاسبة للسوق السوداء.

 

وتبقى الخلاصة أن أزمة أكياس الدم ليست ملفا ماليا داخل وزارة الصحة، بل اختبارا للحق في الحياة داخل المستشفيات الحكومية والخاصة، وإذا اكتفت الحكومة بتثبيت سعر الكيس وتركت الفجوة والسماسرة وانعدام الثقة، فإن التعريفة ستصبح إيصالا رسميا لفشل المنظومة.