حذّر البنك المركزي المصري، من استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة، مع توقع تسارع المعدل السنوي للتضخم حتى الربع الثالث من 2026، قبل تراجع تدريجي لاحق يقترب من مستهدفه البالغ 7% بزيادة أو نقص 2 نقطة مئوية خلال النصف الثاني من 2027.
ويضع هذا التحذير الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن كلفة معيشة تتوسع على حساب الأسر المصرية، لأن مسار الأسعار لا يتحرك وحده، بل يتغذى من قرارات مالية ورفع تكاليف خدمات وتحريك أسعار طاقة، بينما يدفع المواطن النتيجة اليومية في الخبز والزيت والسكر والنقل وفواتير الإنتاج.
مسار رسمي يعلن تأجيل الانفراجة
وبحسب تقرير لجنة السياسة النقدية، يربط البنك المركزي المصري مسار التضخم المتوقع بتأثيرات غير مواتية لفترة الأساس، واستمرار الضغوط القادمة من جانب العرض، وتقلبات سعر الصرف، وإجراءات الحكومة لضبط أوضاع المالية العامة، وهي عوامل تجعل هبوط الأسعار مؤجلًا ومشروطًا لا نتيجة مؤكدة قريبة.
كما يعكس هذا الربط أن الحكومة لا تواجه التضخم من زاوية حماية الدخل الحقيقي للمواطنين، بل من زاوية تصحيح حساباتها المالية، لأن إجراءات ضبط المالية العامة تنتقل إلى السوق عبر أسعار الوقود والكهرباء والنقل ومدخلات الإنتاج، ثم تظهر في النهاية على رفوف السلع الأساسية.
وفي هذا السياق، قال هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، إن التضخم في المدى القصير يتأثر بقنوات واضحة تشمل ارتفاع الشحن والسلع الأساسية والبترول وسعر الصرف، وهي قراءة تجعل أزمة الأسعار نتيجة لمسار تكلفة متراكم لا موجة عابرة يمكن احتواؤها ببيانات رسمية.
وعلى هذا الأساس، تبدو توقعات تسارع التضخم حتى الربع الثالث من 2026 رسالة سياسية واقتصادية حادة، لأنها تعني أن الأسر ستدخل أشهرًا إضافية من الغلاء قبل أي تراجع ملموس، بينما لا تقدم الحكومة ضمانة واضحة لتعويض تآكل الدخول أو حماية الفئات التي تنفق معظم دخلها على الغذاء.
السلع الأساسية في قلب أعباء المعيشة
ثم ينتقل أثر التضخم من أرقام البنك المركزي إلى الأسواق اليومية، حيث تضغط تكاليف القمح والزيوت والسكر والأرز والسلع المستوردة على ميزانيات الأسر، وتدفع موجة أسعار جديدة في بلد يعتمد على الواردات لتغطية جانب كبير من احتياجاته الغذائية والصناعية.
لذلك لا يقف الخطر عند ارتفاع سلعة واحدة، لأن تكلفة الطاقة والنقل تدخل في سعر الخبز والعبوات والتخزين والتوزيع، كما تدخل مكونات إنتاج مستوردة في الصناعة المحلية، وبذلك تتحول كل صدمة في سعر الصرف أو الشحن إلى زيادات متتابعة يدفعها المستهلك في النهاية.
ومن جهته، ربط باسكال ديفو، الاقتصادي في بنك بي إن بي باريبا، استمرار ضغوط التضخم في مصر ببقاء أسعار الطاقة مرتفعة خلال الفصول المقبلة، وهي شهادة تضيف بعدًا خارجيًا للأزمة، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية تخفيف أثر الصدمات على السلع التي تمس حياة المواطنين.
كذلك تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد والصراعات الإقليمية إلى رفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وهي عناصر يذكرها البنك المركزي بوصفها مخاطر على الأسعار، غير أن الحكومة تختار غالبًا تمرير جزء معتبر من هذه التكاليف إلى السوق بدل بناء شبكة حماية مباشرة وفعالة.
وبالتوازي، تكشف إجراءات تحديد أسعار الخبز غير المدعم أن الحكومة تعترف بحساسية الغذاء سياسيًا واجتماعيًا، لكنها تلجأ إلى سقوف سعرية بعد وقوع الضغط، بينما تظل جذور الأزمة قائمة في تكلفة القمح والنقل والوقود وسعر الصرف، وهو ما يهدد جودة المنتج واستقرار المعروض.
الفائدة المرتفعة لا تكفي لحماية المواطنين
بعد ذلك، يعتمد البنك المركزي المصري على سياسة نقدية تقييدية تبقي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لترسيخ توقعات السوق وكبح التضخم، لكن هذه الأداة تخفض الطلب ولا تخفض وحدها تكلفة النقل أو واردات الغذاء أو أسعار الطاقة التي تحركها قرارات حكومية وعوامل خارجية.
ولهذا تبدو الفائدة المرتفعة علاجًا باهظًا للمجتمع، لأنها ترفع تكلفة الاقتراض على المصانع والتجار والأسر، وقد تنعكس في أسعار أعلى أو استثمار أبطأ، بينما تبقى الحكومة مستفيدة من تحويل النقاش نحو السياسة النقدية بدل مساءلة قراراتها التي تغذي كلفة الإنتاج والمعيشة.
في المقابل، يرى محمد أبو باشا، رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي في مجموعة إي إف جي هيرميس، أن ارتفاع عوامل عدم اليقين يدعم استمرار سياسة الترقب، وتخدم هذه القراءة محور الفائدة لأنها توضح أن البنك المركزي يتحرك داخل بيئة شديدة القلق لا تسمح بتيسير سريع.
غير أن سياسة الترقب لا تصلح وحدها كخطة اجتماعية، لأن المواطن لا ينتظر مؤشرات الربع الثالث من 2026 كي يشتري الطعام أو يدفع المواصلات، بل يواجه كل يوم أثرًا مباشرًا لقرارات الرفع والتعويم المرن وتكاليف الطاقة التي تنتقل سريعًا إلى الأسعار النهائية.
ومن هنا، يصبح الحديث الرسمي عن اقتراب التضخم من مستهدف 7% في النصف الثاني من 2027 مشروطًا بدرجة عالية، لأن البنك نفسه يحذر من مخاطر صعودية إذا طال أمد الصراعات أو تجاوزت آثار ضبط المالية العامة التوقعات، وهي صياغة تعني أن الانفراجة مرهونة لا مضمونة.
كما يضع هذا المسار الأسر المصرية أمام عامين تقريبًا من الضغط على الدخل الحقيقي، خصوصًا مع بقاء الغذاء والطاقة والنقل في قلب الأزمة، بينما تواصل الحكومة تحميل السوق أثر سياساتها المالية، ثم تطلب من المواطنين انتظار نتائج نقدية قد تتأخر بفعل الصدمات نفسها.
وفي الأخير، لا تكشف توقعات البنك المركزي مجرد مسار رقمي للتضخم، بل توثق فاتورة سياسية واقتصادية تتحملها الأسر بسبب مزيج من قرارات حكومية وصدمات خارجية وسعر صرف متقلب، وإذا لم تغير الحكومة طريقة إدارة الأسعار والدعم والدخل، سيبقى مستهدف 2027 وعدًا بعيدًا وسط موجة غلاء حاضرة.

